أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ
أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ
تنقلب النعمة تهديداً في الآية التالية مباشرة: {أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة الملك، أن المعنى: أأمنتم عذاب من في السماء أن يغيّبكم في الأرض كما فعل بقارون، فإذا هي تتحرك وتضطرب بكم. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المراد تخويفهم بأن يُخسف بهم فتضطرب الأرض وتموج بهم. وبيّن أبو بكر الحداد في تفسيره، عند تفسير هذه الآية، أن معناه: أأمنتم يا أهل مكة مَن في السماء سلطانه وقدرته وملكه أن يغيّبكم في الأرض جزاءً على قبح أفعالكم؛ وذكر وجهاً آخر: أأمنتم عقوبة من في السماء وعذابه. وأورد الماوردي في "النكت والعيون"، عند تفسير الآيتين السادسة عشرة والسابعة عشرة، أقوال المفسرين في المراد بـ{مَّن فِي السَّمَاءِ}، ومنها أنه الله سبحانه على معنى العلوّ لا الظرفية، ومنها أنه الملك الموكل بالعذاب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الموضع من أبدع مواضع النظم في السورة؛ فقد قال في الآية قبلها: {جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}، ثم قال هنا: {أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ}. فالأرض ذاتها هي موضع الامتنان وموضع التهديد؛ ما ذُلّل لهم يمكن أن ينقلب عليهم، والذي مُهّد للمشي يمكن أن يُفتح ليبتلع. وهذا يقطع على المغترّ اغتراره بالنعمة، ويعلّمه أن استقرارها ليس ذاتياً بل بإمساك مالكها. ثم إن هذه الآية أول المقطع الرابع من السورة، وهو مقطع التخويف بالعذاب من الجهتين؛ فذكر هنا العذاب من تحت الأقدام، وفي الآية التالية العذاب من فوق الرؤوس.