قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ
تعود السورة إلى مواجهتهم بقلب حجاجهم عليهم: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من سورة الملك، أن المشركين كانوا يتربصون بالنبي ﷺ وأصحابه الموت ويدعون عليهم بالهلاك، فأُمر أن يقول لهم: أخبروني إن أماتني الله ومن معي من المؤمنين أو رحمنا فأخّر آجالنا، فمن الذي يمنعكم أنتم من عذاب أليم؟ فليس هلاكنا أو بقاؤنا بنافعكم شيئاً. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: أخبروني إن عذّبني الله ومن معي بذنوبنا أو رحمنا، فمن يجيركم أنتم من العذاب الأليم وأنتم كافرون؟ وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {أَرَأَيْتُمْ} بمعنى "أخبروني"، وهو استفهام يُراد به تنبيه المخاطب لينظر في أمر يعنيه. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن الآية تصرف نظرهم عن الاشتغال بمصير غيرهم إلى النظر في مصير أنفسهم، وهذا من أنفع ما يُوجَّه به الخصم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه {قُلْ} الرابعة، وهي من أعجب مواضع الحجاج في القرآن؛ إذ يسلّم المحاجّ لخصمه بأقصى ما يتمناه ثم يبيّن له أن تسليمه لا يفيده شيئاً. وموقعها من السورة دقيق؛ فقد سبقها مشهد سوء وجوههم عند رؤية الوعد، فجاءت لتقول لهم: هذا مصيركم أنتم، فما ينفعكم أن تشتغلوا بمصيرنا؟ ثم إنها ممهدة للآية التالية {قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا}؛ فبعد أن بيّن أن هلاكه أو نجاته لا يغيّر من أمرهم شيئاً، أعلن على أي شيء يقوم موقفه هو: إيمانٌ وتوكل. فترتب النظم على: قلب الحجاج، ثم إعلان المنهج، ثم التحدي الأخير.