قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
تتلوها {قُلْ} الثانية تربط البدء بالمنتهى: {قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين من سورة الملك، أن {ذَرَأَكُمْ} معناه: خلقكم وبثّكم ونشركم في الأرض، {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} أي: وإليه تُجمعون يوم القيامة للحساب والجزاء. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: بثّكم ونشركم في أقطار الأرض على اختلاف ألسنتكم وألوانكم، ثم يجمعكم بعد ذلك ليوم لا ريب فيه. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الذرء هو الخلق مع الانتشار والتكثير؛ ومنه "الذرية" لانتشارها وتكاثرها. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن الآية تجمع بين مبدأ الخلق ومنتهاه؛ فهي حجة على منكري البعث من جهة أن الذي أنشأ ونشر قادرٌ على أن يجمع ويعيد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية قرينة الآية التي قبلها في التصدير بـ{قُلْ} وفي بناء الجملة على القصر؛ فذكر في الأولى الإنشاء وأدوات الإدراك، وذكر في الثانية البثّ في الأرض والجمع إليه. وبينهما تكامل: الأولى تتناول الإنسان في ذاته وآلاته، والثانية تتناوله في مكانه ومصيره. ثم إن هذه الآية مهّدت مباشرةً لما بعدها؛ فإنه لما ذُكر الحشر قالوا: {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}؛ فجاء سؤالهم متولداً من الخبر، وهذا التسلسل الطبيعي بين الخبر والاعتراض عليه من أدلة إحكام النظم. ثم إن قوله {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يوافق ما تقدم في الآية الخامسة عشرة: {وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}؛ فتكرر المعنى في مقطعين مختلفين تثبيتاً للقضية التي عليها مدار الخصومة.