وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ
بعد نفي العيب يُذكر الجمال والوظيفة: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة الملك، أن المصابيح هي النجوم، وأنها سُمّيت بذلك لإضاءتها كما يضيء المصباح؛ وأن {رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ} أي: يُرمَون بها إذا استرقوا السمع. وأورد ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، قول قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها؛ فمن تأول فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا علم له به. وذكر البغوي في "معالم التنزيل"، عند تفسير الآية، أن {أَعْتَدْنَا} بمعنى أعددنا وهيأنا، وأن الضمير في {لَهُمْ} للشياطين. وبيّن ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة الملك، أن الرجم إنما يقع بالشهب المنقضّة المقتبَسة من تلك المصابيح لا بالكواكب نفسها؛ فأُطلق اسم الأصل على الفرع لاتصال ما بينهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): لما فرغ من تحدي البصر بطلب العيب، عاد به إلى ما يجده من الحسن؛ فانتقل من نفي النقص إلى إثبات الكمال والجمال. ثم إن ذكر الشياطين هنا مفصلٌ لطيف في النظم؛ فقد افتُتحت السورة بالملك، والشياطين هم الطامعون في اختراق حجاب الغيب واستراق أخباره، فكان في رجمهم إعلانٌ بأن حرم الملكوت محروس لا يُستباح. ثم إن ختم الآية بـ{وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} تمهيدٌ مباشر للآية التالية {وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ}؛ فانتقل من عذاب مردة الجن إلى عذاب مردة الإنس، فجمع بين الثقلين في وعيد متصل.