فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ
فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ
ينتقل السياق فجأة من الجدل إلى مشهد وقوع ما استعجلوه: {فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين من سورة الملك، أن المعنى: فلما رأوا العذاب قريباً منهم، ساءت وجوه الذين كفروا واسودّت وعلاها الكآبة والذلة، وقيل لهم: هذا الذي كنتم به تدّعون، أي: تستعجلون وتطلبون. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن {زُلْفَةً} بمعنى قريباً، وأن {سِيئَتْ} أي: بدا فيها السوء والكآبة والغم. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في {تَدَّعُونَ} وجهين: أن يكون من الدعاء، أي: تستعجلون به وتطلبونه؛ وأن يكون من الدعوى، أي: تدّعون أنه لا يكون. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السابعة والعشرين، إلى أن الفاء في {فَلَمَّا} فصيحة أفصحت عن كلام مطويّ تقديره: فوقع الوعد وحضر اليوم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية جوابٌ عملي لسؤالهم في الآية الخامسة والعشرين، جاء بعد الجواب النظري في السادسة والعشرين. فقد سألوا {مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ}، فقيل لهم أولاً: العلم عند الله، ثم نُقلوا في هذه الآية إلى اللحظة التي سألوا عنها وقد حلّت. وفي هذا النقل المباغت من مقام الاستهزاء إلى مقام المعاينة إعجازٌ في ترتيب الخطاب؛ إذ صار سؤالهم نفسه هو الذي يُذكَّرون به في وجوههم: {هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ}. ثم إن هذه الآية آخر ما جاء في السورة من مشاهد الآخرة، فبعدها تعود السورة إلى مواجهة المكذبين في الدنيا بثلاث آيات ختامية؛ فكأن المشهد سيق ليكون خلفيةً للتحدي الأخير.