قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۖ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ
تبدأ رباعية {قُلْ} الختامية بتذكيرهم بأدوات الإدراك التي عطّلوها: {قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين من سورة الملك، أن المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: الله هو الذي ابتدأ خلقكم وأنشأكم، وجعل لكم أسماعاً تسمعون بها وأبصاراً تبصرون بها وقلوباً تعقلون بها، ثم أنتم قليلاً ما تشكرون هذه النعم. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المراد: هو الذي أوجدكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، وجعل لكم هذه الحواس لتستعينوا بها على طاعته، فقابلتموها بقلة الشكر. وأوضح الزمخشري في "الكشاف"، عند تفسير هذه الآية، وجه إفراد السمع وجمع الأبصار والأفئدة: بأن السمع مصدر في الأصل، والمصدر لا يُثنّى ولا يُجمع؛ ولأن مُدرَك السمع نوع واحد وهو الصوت، ومُدرَك البصر أنواع لا تُحصى من الألوان والأشكال والحركات، فناسب الجمع. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين، إلى أن {قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} قد يُراد بها نفي الشكر بالكلية على طريقة العرب في التقليل الذي يراد به العدم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي الجواب المؤجَّل لشكوى أهل النار في الآية العاشرة: {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}. فقد ذكروا هناك أنهم لم ينتفعوا بالسمع والعقل، وذُكر هنا أن الله جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة؛ فتبيّن أن الآلة ممنوحة وأن التفريط منهم. وهذا التوزيع للمعنى الواحد بين مطلع السورة ومقطعها الأخير من أدق ما في نظمها. وهي متصلة أيضاً بالآية قبلها؛ فإن المكبّ على وجهه معطّلٌ لبصره وسمعه، فجاء التذكير بهذه الآلات بعد تصوير من عطّلها. ثم إنها مقدمة للآية التالية {هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}؛ فبعد الامتنان بالإنشاء وأدواته، ذُكّر بالبثّ في الأرض ثم الجمع إليه.