أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ
أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ ۚ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ
يبدأ التحدي بسؤالين تعجيزيين: {أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العشرين من سورة الملك، أن المعنى: من هذا الذي هو جند لكم يمنعكم من عذاب الله إن أراد بكم سوءاً؟ فليس لكم من دونه ناصر ولا مانع. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المراد: ليس لكم من دون الله من ولي ولا نصير، وأن {إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ} أي: ما هم إلا في خديعة من الشيطان يمنّيهم أن آلهتهم تنفعهم. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن لفظ {جُندٌ} أُفرد وهو في معنى الجماعة؛ لأنه اسم جمع يقع على الواحد والكثير. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن هذا استفهام تقرير وتوبيخ يُلزمهم بالاعتراف بأنهم لا ناصر لهم سواه، وأن اعتمادهم على غيره غرورٌ محض.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا السؤال ثمرةً مباشرة لما قبله؛ فقد قرر أن الطير لا يمسكها إلا الرحمن، فمن كان هذا شأنه مع أضعف خلقه فمن ذا يمنع منه أقوى خلقه؟ ثم إن ترتيب السؤالين في الآيتين العشرين والحادية والعشرين ترتيبٌ محكم على حاجات الإنسان؛ فإن الإنسان محتاج إلى أمرين لا ثالث لهما: دافعٍ يدفع عنه الضرّ، وجالبٍ يجلب له النفع. فسأل عن الأول: {يَنصُرُكُم}، ثم عن الثاني: {يَرْزُقُكُمْ}؛ فاستوعب السؤالان جهتَي الحاجة كلها. وهذان السؤالان بمنزلة الخاتمة العملية للبراهين المتقدمة؛ إذ نقل الحجاج من مقام النظر في الكون إلى مقام النظر في النفس وحاجتها.