تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ
يبلغ التصوير ذروته ثم ينفتح على حوار: {تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة الملك، أن المعنى: تكاد جهنم يفارق بعضها بعضاً وتتقطع من شدة غيظها على أهل الكفر بالله؛ وأن {خَزَنَتُهَا} هم الملائكة الموكلون بها. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن معنى {تَمَيَّزُ}: يكاد ينفصل بعضها من بعض من شدة غيظها عليهم، وأن سؤال الخزنة {أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ} سؤالُ تقريع وتوبيخ لا استفهامُ استعلام. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الفوج هو الجماعة من الناس، وأن {كُلَّمَا} تفيد التكرار كلما أُلقي فوج جُدّد السؤال؛ فالتوبيخ متكرر بتكرر الأفواج. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة من سورة الملك، إلى أن نسبة الغيظ إلى النار مجازٌ عقلي أو استعارة، والمراد شدة اشتعالها وتضاعف لهبها عند إلقاء أهلها فيها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرّج النظم في هذه الآية من وصف النار إلى حوار أهلها تدرّجاً محكماً؛ فقد فرغ من ذكر صوتها وغليانها، ثم ذكر ما يكاد يقع منها من التقطع غيظاً، ثم انتقل من حال النار إلى حال أهلها. وموضع السؤال في السياق موضعٌ مقصود؛ فإن السورة قائمة على الحجاج مع منكري البعث في الدنيا، فجاء هذا السؤال في الآخرة ليجمع بين النذير المكذَّب هناك والنذير المبعوث هنا. ثم إن الجواب في الآية التاسعة {قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ} مرتبط بقول النبي ﷺ لقريش وإنذاره لهم؛ فكأن السورة تقول لهم: هذا سؤالكم بعد حين، فأعدّوا له جواباً.