وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ
ينتقل الخطاب من التهديد المتوقَّع إلى الشاهد الواقع: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من سورة الملك، أن المعنى: ولقد كذّب الأمم الخالية رسلَها كما كذّب هؤلاء رسولهم، فكيف كان إنكاري عليهم وتغييري ما بهم من نعمة؟ وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: كيف كان إنكاري عليهم وعقوبتي لهم؟ أي: كان عظيماً شديداً أليماً. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {نَكِيرِ} مصدر بمعنى الإنكار، وأن أصله "نكيري" حُذفت ياؤه اكتفاءً بالكسرة كنظيره في الآية قبلها. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة، إلى أن الاستفهام بـ{كَيْفَ} هنا للتهويل والتقرير معاً؛ فهو يستدعي من المخاطب أن يستحضر ما يعلمه من مصارع الأمم فيجيب عن نفسه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية جواب لسؤال يتولد في نفس المخاطب بعد التهديد بالخسف والحاصب: وهل وقع مثل هذا؟ فجاءت تقرر أنه قد وقع مراراً. وهي متصلة بالآيتين قبلها اتصال الشاهد بالدعوى اتصالاً لفظياً دقيقاً؛ فقد ذُكر الخسف وقد وقع بقارون، وذُكر الحاصب وقد وقع بقوم لوط، ثم قيل: {وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}؛ فالمثالان حاضران في الذهن، والآية تحيل إليهما بلا تصريح. وفي هذا الإجمال بعد التفصيل بلاغةٌ؛ إذ يترك للسامع أن يستحضر ما يعرفه من أخبارهم، فيكون البرهان مستخرجاً من علمه هو. ثم إن ختم هذا التهديد بـ{نَكِيرِ} على وزن {نَذِيرِ} في الآية قبلها يربط الآيتين بربطٍ صوتي محكم: إنذارٌ ثم نكير، وعدٌ بالعقوبة ثم شاهدٌ على وقوعها.