أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ
أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ
يأتي السؤال الثاني في جهة الرزق: {أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من سورة الملك، أن المعنى: من هذا الذي يرزقكم إن أمسك الله عنكم رزقه فلم ينزل من السماء ماءً ولم يُخرج من الأرض نباتاً؟ وأن {لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} أي: تمادوا في تكبرهم وشرودهم عن الحق. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: من ذا الذي يرزقكم إن قطع عنكم رزقه؟ أي: لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق وينصر إلا الله وحده. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {لَجُّوا} معناه: تمادوا وأصرّوا؛ من اللَّجاج وهو الاستمرار على الشيء مع ظهور فساده. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين، إلى أن {بَل} للإضراب الانتقالي عن انتظار جوابهم؛ فلما لم يكن لهم جواب أُضرب عن السؤال إلى وصف حالهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية السؤالان اللذان استوعبا حاجة الإنسان كلها: دفعُ الضر في الآية قبلها، وجلبُ النفع هنا. وقد جاء الجواب عن السؤالين بأسلوبٍ بديع: لم يُنقل عنهم جوابٌ لأنهم لا جواب لهم، فأُضرب عن انتظار الجواب إلى وصف حالهم: {بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ}؛ وهذا الإضراب في موضع السكوت أبلغ من كل ردٍّ. ثم إن ختم هذا المقطع بوصف حالهم النفسي تمهيدٌ للآية التالية التي ضربت لهم مثلاً في هيئتهم: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ}؛ فمن كان في عتوّ ونفور كان في مشيه مكبّاً لا مستوياً. ثم إن ذكر إمساك الرزق هنا يجد صداه في خاتمة السورة: {إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا}؛ فأجمل الإمساك هنا وفصّله في أخصّ صوره هناك.