أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
يأتي البرهان العقلي في أوجز عبارة: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة الملك، أن أهل التأويل ذهبوا في {مَنْ} مذهبين: أحدهما أن تكون فاعلاً، والمعنى: ألا يعلم اللهُ الذي خلق ما في الصدور؟ والثاني أن تكون مفعولاً، والمعنى: ألا يعلم اللهُ مخلوقَه وما ينطوي عليه؟ وكلا الوجهين صحيح المعنى. وبيّن ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن المعنى: ألا يعلم الخالق؟ وهو اللطيف الخبير، أي: الذي يعلم دقائق الأمور وخفاياها، الخبير بما في الضمائر. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {اللَّطِيفُ} يجمع معنيين: اللطف بالعباد في تدبيرهم من حيث لا يشعرون، وإدراك الدقائق الخفية التي تلطف عن الإحساس. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذا الموضع، إلى أن الآية دليل عقلي قاطع؛ إذ الصانع لا بد أن يكون عالماً بصنعته، فمن خلق الأسرار كيف يجهلها؟
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية دليل الآية التي قبلها لا خبر مستأنف؛ فقد قيل: {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، فقد يقول قائل: وما الدليل؟ فجاء الجواب على صيغة سؤال تقريري يحمل جوابه معه. وهي أيضاً حلقةُ وصل بين المقطع الثالث وما بعده؛ فإن ذكر الخلق هنا يفتح الباب لما يليه من ذكر خلق الأرض وتذليلها في الآية الخامسة عشرة، ثم خلق السمع والأبصار والأفئدة في الثالثة والعشرين. ثم إن ورود {اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} في هذا الموضع تمهيدٌ لطيف لما بعده من الامتنان؛ فإن اللطيف هو الذي ذلّل الأرض لعباده وساق إليهم أرزاقهم من حيث لا يحتسبون.