فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ
فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ
يختم المقطع بحكم قاطع بعد اعتراف كامل: {فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة الملك، أن المعنى: فأقرّوا بذنبهم في تكذيبهم رسل الله، وأن {فَسُحْقًا} دعاءٌ عليهم بالبعد من رحمة الله؛ يقال: سحقاً له، أي: بُعداً له. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أنهم اعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف، وأن معنى {فَسُحْقًا}: فبُعداً لهم وخسارةً وهلاكاً. وأوضح القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {سُحْقًا} منصوب على المصدر بفعل مضمر تقديره: أسحقهم الله سحقاً، أو ألزمهم الله سحقاً؛ وأن أصل السَّحْق: الدقّ والسحق حتى يصير الشيء هباءً، ثم استُعمل في البعد لأن المسحوق يتفرق فيبعد. ونبّه ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الحادية عشرة، على أن الفاء في {فَاعْتَرَفُوا} فاء التفريع؛ ففُرّع الاعتراف على قولهم المتقدم، ثم فُرّع الحكم على الاعتراف بفاء ثانية، فصار في الآية تفريعان متتاليان يحاكيان تسلسل القضاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): بهذه الآية يُختم المقطع الثاني من السورة، وقد جرى على ترتيب مجلس القضاء تماماً: تهمةٌ تُعرض في صورة سؤال ({أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ})، فإقرارٌ من المتهم ({بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا})، فبيانٌ لسبب الجناية ({لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ})، فتسجيلٌ للاعتراف ({فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ})، فنطقٌ بالحكم ({فَسُحْقًا}). ثم إن هذه الخاتمة مهّدت للآية التالية أبلغ تمهيد؛ فقد ختم مصير المكذبين بالبعد والسحق، وافتتح مصير المؤمنين بالقرب والمغفرة: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}؛ فتقابلت النهايتان في لفظتين: سحقٌ ومغفرة.