وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ
تُختم السورة بأعلى مثل في الطهر والتصديق: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة التحريم، أن معنى {أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا}: منعته وحفظته من الحرام. وذكر أن {فَنَفَخْنَا فِيهِ} أي في جيب درعها كما جاء في مواضع أخرى، والنافخ جبريل بأمر الله. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن قوله {مِن رُّوحِنَا} إضافة تشريف وتكريم كإضافة البيت إلى الله؛ لا إضافة جزء ولا حلول. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قوله {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} جاء بصيغة جمع المذكر تغليباً، أو لأنها كانت من أهل بيت قانتين، أو لأن المراد جماعة القانتين على اختلاف أجناسهم. وقد ثبت في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم" من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران؛ فجاء الحديث مطابقاً لترتيب المثلين في السورة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة السورة وتمام المقابلة الرباعية؛ فقد ذُكر في الآية العاشرة مثلان في الخسران وفي الحادية عشرة مثل في النجاة، وجاء هذا رابعاً ليكمل البناء. وقد رُتّبت الأمثال ترتيباً بديعاً: امرأتان خانتا وهما في أشرف بيتين، ثم امرأة آمنت وهي في أخبث بيت، ثم امرأة لم يكن لها زوج أصلاً وبلغت أعلى المقامات؛ فتقرر أن أمر النجاة لا يتعلق بالزوج ولا بالبيت بل بالعمل والاختيار. وهذا هو الجواب الأتمّ لسياق السورة كلها التي بدأت بشؤون الأزواج. ثم إن ختم السورة بالقنوت والتصديق والإحصان مناسب لما تقدم في وصف الأزواج الصالحات: {مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ}؛ فما وُصفت به الأزواج المرجوّات تحقق في مريم على أتمّ وجه.