قال ابن جرير الطبري (20/165)مصدر غير محدد٢٠/١٦٥: «يقول تعالى ذكره: ذلك عالم الغيب والشهادة الذي أتقن كل شيء خلقه وأحكمه فسوّاه على ما أراد، لا خلل فيه ولا تفاوت، {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} يعني آدم عليه السلام، خلقه الله من طين لازب».
ونقل ابن كثير (6/350)مصدر غير محدد٦/٣٥٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة: «{أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}: أي أتقن كل شيء وأحكمه، كما قال: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ}، فما من مخلوق إلا وهو على هيئة وصورة تناسب وظيفته وحياته على أحسن نظام وأبهى خلقة».
وفي قراءة الكوفيين وابن كثير وأبي عمرو: {خَلَقَهُ} بفتح اللام فعلاً ماضياً (أي أحسن كل شيء خلقه الله)، وقرأ نافع وعاصم في رواية وأهل المدينة: {خَلْقَهُ} بسكون اللام مصدراً بدلاً من كل شيء أو مفعولاً به ثانياً لأحسن.
تفسير بدء خلق الإنسان من طين:
قال السعدي (ص 652)مصدر غير محدد٦٥٢: «بدأ خلق أبي البشر آدم عليه السلام من طين؛ ليدل على أصل النشأة الأولى بالقدرة المباشرة، ليعرف الإنسان أصله فلا يتكبر، ويعرف عظمة قدرة خالقه الذي صيره من حمأ مسنون وطين صلصال إلى إنسان سوي يسمع ويبصر ويعقل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نعت رابع لاسم الإشارة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، أو بدل.
{أَحْسَنَ}: فعل ماض مبني على الفتح، وفاعله مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{كُلَّ شَيْءٍ}: {كُلَّ}: مفعول به أول منصوب، {شَيْءٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{خَلَقَهُ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب نعت لشيء (أو صفة لكل)، والرابط محذوف أو الهاء. (وعلى قراءة سكون اللام: {خَلْقَهُ} بدل اشتمال من كل شيء منصوب، والهاء مضاف إليه).
{وَبَدَأَ}: الواو عاطفة، بدأ ماض والفاعل مستتر، والجملة معطوفة على أحسن.
{خَلْقَ الْإِنسَانِ}: خلق مفعول به منصوب، والإنسان مضاف إليه مجرور.
{مِن طِينٍ}: جار ومجرور متعلقان ببدأ، أو بمحذوف حال من الإنسان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من الآفاق الكونية إلى نشأة الإنسان الخاصة:
بعد أن استعرضت الآيات السابقة خلق السماوات والأرض والعرش والتدبير الكوني التام والمحيط، انتقل السياق إلى أعظم معجزة حية قريبة من المكلفين؛ وهي "خلقة الإنسان نفسه وأطوار نشأته".
وربط ذلك بإتقان الخلق العام: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ}، ليبين أن خلقة الإنسان ليست نشازاً عشوائياً، بل هي تاج منظومة الإتقان والجمال في هذا الكون البديع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العشوائية الداروينية ونظرية التطور الصدفي دون خالق: تزعم الداروينية والمادية المعاصرة أن تنوع الكائنات الحية وتشريح الإنسان نتاج طفرات عشوائية صدفية عبر ملايين السنين خالية من أي قصد أو إتقان أو جمال واعي.
فكل كائن حي — من البكتيريا والفيروس إلى الحوت الأزرق والإنسان — مصمم بأجهزة حيوية وشفرات وراثية وكيمياء حيوية متطابقة بدقة متناهية مع بيئته ووظيفته؛ والصدفة العمياء رياضياً لا تنتج نظاماً، فكم بالأحرى أن تنتج تريليونات الأجهزة الوظيفية المترابطة والجمال الباهر؟!
وتقرير أن بداية خلق الإنسان كانت {مِن طِينٍ} يؤصل للانفصال التكويني الحاسم لأصل البشرية؛ فآدم خُلق خلقاً خاصاً مستقلاً بالنفخة الإلهية، ولم ينحدر من سلالات حيوانية قردية كما يتخرص المنكرون، وتماسك معادن الجسد البشري مع العناصر الكيميائية للتراب (الحديد، الكالسيوم، الفوسفور، الكربون، الماء) شاهد حسي قاطع على هذا الأصل الطيني القرآني.
إحاطة تامة بكل ذرة وخلايا وكائن؛ فحتى ما يراه الإنسان قبيحاً أو ضاراً في ظاهره كالسموم والحشرات والضواري، هو في ميزان النظام البيئي الكلي حسن متقن يحفظ توازن الحياة ويدل على كمال الصانع.
المقابلة الضمنية بين الطين والروح:
التذكير بالأصل الطيني الترابي يخفض أشرعة الكبر والغرور في نفس الإنسان؛ فمهما تجبر العبد وتكبر فإن أصله تراب وطين، وفضله بالروح والعقل الذي نفخه الله فيه.
التدبر الإشاري:
جمال الروح يعلو فوق جمال الطين؛ فالذي أودع في هذا الطين الفهم والعقل والإيمان أراد منك أن ترتقي بروحه إلى الملأ الأعلى، لا أن تدنسه بالانغماس في حمأة الشهوات والغرائز الحيوانية الهابطة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
توظيف الحقائق البيولوجية والتشريحية في دعوة الملحدين؛ وإبراز مظاهر الإتقان والجمال في خلق الحيوان والإنسان لإثبات وجود الصانع الحكيم.
التوجيه التربوي:
علاج الكبر والتعالي في نفوس الأبناء؛ وتذكيرهم دوماً بأصلهم الطيني الضعيف، وحثهم على التواضع للخالق وللخلق.
التوجيه العملي:
التفكر المستمر في آيات النفس وتشريح البدن: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، وتسخير هذا الجسد الذي أحسن الله خلقه في طاعة المنعم.
الوجدان الإيماني:
امتلاء القلب بمشاعر الحمد والثناء والشكر للخالق البارئ المصور الذي صورنا فأحسن صورنا ورزقنا من الطيبات.