أخرج الإمام الترمذي في سننه (رقم 2616)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦١٦ وصححه، والإمام أحمد في مسنده (5/231)مصدر غير محدد٥/٢٣١ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ»، ثُمَّ تَلَا: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.
وأخرج الطبري (20/175)مصدر غير محدد٢٠/١٧٥ بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «نزلت هذه الآية: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ} في انتظار الصلاة التي تدعى العتمة (صلاة العشاء الآخرة في جماعة)».
وقال ابن عباس ومجاهد والحسن البصري وقتادة: «هم الذين يقومون الليل يتهجدون ويصلون بين يدي الله حين ينام الناس، واللفظ يتناول قيام الليل، وانتظار صلاة العشاء وصلاة الفجر في جماعة، والكل حق».
تفسير {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا}:
قال السعدي (ص 653)مصدر غير محدد٦٥٣: «خوفاً من عقابه وعذابه، وطمعاً في ثوابه ومغفرته ورحمته؛ فجمعوا بين جناحي العبودية: الخوف المانع من المعاصي، والرجاء المحفز للطاعات».
تفسير {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}:
جمعوا بين الإحسان في عبادة الخالق بقيام الليل، والإحسان إلى خلقه بالإنفاق من أموالهم في الواجبات والمستحبات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
تَتَجَافَىٰ: التجافي: التباعد والتنحي والارتفاع عن الشيء مع عدم الاستقرار التام فيه؛ يقال: تجافى جنبه عن الفراش إذا نبا عنه وارتفع ولم يطمئن إليه نوماً واستغراقاً.
المَضَاجِع: جمع مَضْجَع، وهو موضع الاضطجاع والنوم من الفرش والأسرة.
خَوْفًا وَطَمَعًا: الخوف: فزع النفس ووجلها من المكروه المتوقع، والطمع: شدة الرجاء وتطلع القلب لنيل الخير المأمول.
الإعراب والوجوه النحوية:
{تَتَجَافَىٰ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة في محل نصب حال ثانية من الذين آمنوا أو مستأنفة لمدحهم.
{جُنُوبُهُمْ}: فاعل تتجافى مرفوع بالضمة الظاهرة، وهم ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رسم ملامح العبادة الخفية بعد إعلان السجود العام:
في الآية السابقة بين استجابتهم العامة لسماع القرآن بالخرور سجداً {خَرُّوا سُجَّدًا}.
وهنا في هذه الآية كشف عن "سريرتهم وخلواتهم" في جوف الليل المظلم بعيداً عن أعين الناس؛ حيث تطيب الفرش والوسائد الوثيرة للكسالى، وتأبى قلوب المشتاقين إلا القيام لمناجاة الحبيب!
ثم جمع بين "العبادة البدنية الخاصة" (قيام الليل) و"العبادة المالية المتعدية" (الإنفاق مما رزقهم الله)؛ لتكتمل أركان الإحسان الإيماني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ثقافة الرفاهية والراحة المادية واستهجان قيام الليل: تروج الثقافة المعاصرة لتمجيد الراحة الجسدية، وساعات النوم الطويلة، وتعتبر قطع النوم في جوف الليل إجهاداً عصبياً غير مبرر يخالف الصحة العامة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة الطبية والروحية:
تكشف الأبحاث الطبية الحديثة عن فوائد مذهلة للاستيقاظ لصلاة الليل؛ فهو يمنع التجلطات القلبية والدماغية الناتجة عن ركود الدورة الدموية أثناء النوم الطويل، ويقوي الجهاز المناعي، ويجدد النشاط النفسي والعصبي.
ومن الناحية النفسية: ساعات السحر هي أصفى أوقات الصفاء الذهني والسكينة الروحية بعيداً عن صخب الحياة وتلوث الضوضاء؛ فمناجاة الله في هذا الوقت تشحن الروح بطاقة صمود نفسي تقهر التوتر والاكتئاب.
إن تضحية المؤمن بلذة النوم الفانية هي استبدال للذيذ الفاني باللذيذ الباقي؛ فكيف يعاب على المحب قيامه لمناجاة محبوبه وخالقه؟!
كناية بليغة عن مغادرة النوم وترك الفراش؛ ونسبة الفعل إلى "الجنوب" تصويراً كأن جنوبهم بذاتها تنفر وتتجافى عن الفراش الوثير شوقاً إلى السجود ومناجاة الرب.
التوازن النفسي الإيماني بين {خَوْفًا وَطَمَعًا}:
تشبيه الإيمان بطائر رأسه المحبة، وجناحاه الخوف والرجاء؛ فإذا استوى الجناحان طار العبد بأمان وسلام إلى ربه، فلا يقعد به يأس، ولا يطغى به غرور.
التدبر الإشاري:
قيام الليل هو دأب الصالحين، وتجارة المتقين، وشرف المؤمن؛ فمن أراد رفعة الدرجات وصفاء القلب، فعليه بركعات في جوف الليل تسكب فيها العبرات وترفع فيها الحاجات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
حث الناس على عمارة الليل بالصلاة؛ وبيان أن قيام الليل هو الزاد الإيماني الحقيقي للداعية والمربي لمواجهة أعباء الدعوة.
التوجيه التربوي:
تدريب الأبناء والشباب على الاستيقاظ لصلاة الفجر في جماعة، وإحياء سنة الوتر والتهجد ولو بركعتين خفيفتين قبل الفجر.
التوجيه العملي:
ضبط المنبهات والنوم المبكر للاستيقاظ في الثلث الأخير من الليل؛ وإخراج الصدقات الخفية للمحتاجين.
الوجدان الإيماني:
الأنس بمناجاة الله في ظلمات الأسحار، وسكب الدموع في خلوة التضرع، وذوق حلاوة القرب التي لا تعدلها أي لذة في الدنيا.