قال ابن جرير الطبري (20/162)مصدر غير محدد٢٠/١٦٢: «يقول تعالى ذكره: الله الذي لا إله غيره، هو الذي أنشأ السماوات السبع والأرضين وما بينهما من الخلائق في ستة أيام من أيام الآخرة، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، ولم يمسه لغوب ولا تعب».
ونقل ابن كثير (6/348)مصدر غير محدد٦/٣٤٨: «يخبر تعالى عن قدرته العظيمة وأنه خلق هذا الكون العظيم وما بينهما في ستة أيام لحكمة بالغة ليعلم عباده التأني والتثبت، وإلا فهو قادر على إيجادها بكلمة كُن في طرفة عين».
موقف أهل السنة والجماعة في الاستواء على العرش:
أجمع سلف الأمة وأئمة أهل السنة على إمرار آيات الصفات كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل؛ والاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة كما قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله.
قال ابن كثير (6/349)مصدر غير محدد٦/٣٤٩: «ومسلك السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً: إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً».
تفسير {مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} بالأثر:
قال قتادة والسعدي: «ليس لكم أيها الناس من دونه أحد يتولى مصالحكم ويدفع عنكم المكاره، ولا شفيع يشفع لكم عنده إلا من بعد إذنه ورضاه عن المشفوع له؛ فكيف تلجؤون إلى غيره وتشركون به جمادات لا تملك شيئاً؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الاستواء: في لغة العرب: العلو والارتفاع والاستقرار، قال ابن الأعرابي: استوى على الشيء إذا علاه وارتفع عليه.
العَرْش: في اللغة: السرير العظيم للملك، وعرش الرحمن سرير عظيم جليل ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو أعلى المخلوقات وسقف الجنة.
الوَلِيّ: القريب الناصر المعين الذي يتولى أمرك ويحوطك برعايته.
الشَّفِيع: الذي يضم صوته ووسيلته إلى صاحب الحاجة لنيل المنفعة أو دفع الضر، من الشفع وهو ضد الوتر.
الإعراب والوجوه النحوية:
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع خبر المبتدأ.
{خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: فعل ماض ومفعول به منصوب بالكسرة ومعطوف منصوب، والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَمَا بَيْنَهُمَا}: معطوف منصوب، وبين ظرف مكان وهما مضاف إليه متعلقان بصلة ما.
{فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بخلق.
{ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ}: ثم حرف عطف وتراخ، استوى ماض والفاعل مستتر، وعلى العرش متعلقان باستوى، والجملة معطوفة على صلة الموصول.
{أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، والفاء عاطفة على مقدر، ولا نافية، وتتذكرون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من إثبات الوحي إلى استعراض براهين الربوبية والألوهية:
لما قرر في الآيات السابقة أن القرآن حق من رب العالمين، انتقل مباشرة إلى التعريف بهذا الرب العظيم الخالق المدبر؛ فذكر أعظم مشاهد القدرة: خلق السماوات والأرض وما بينهما واستواءه على العرش.
ثم رتب على هذا الملك العظيم بطلان كل ولاية أو شفاعة من دونه، ووبخ الغافلين بالاستفهام الإنكاري: {أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}؛ لتنتبه عقولهم من رقدة الغفلة والشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الخلق في ستة أيام وحاجة الإله إلى الراحة (تفنيد الخرافات اليهودية): زعم اليهود في التوراة المحرفة (سفر التكوين) أن الله خلق الكون في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع (السبت) وتعب!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
نقض القرآن هذا الكفر والبهتان الشنيع في سورة ق: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ}.
والتدرج في خلق الكون عبر ستة أيام لم يكن لعجز أو حاجة — فالقادر على الإيجاد بكن فيكون قادر على خلقه في لمح البصر — وإنما كان لتأسيس "قانون التدرج والسننية في الكون"، وتعليم الإنسان الصبر والأناة، وإظهار بدائع الصنعة طوراً بعد طور لملائكته الكرام.
وإذا كان هو المستوي على العرش والمالك لما بين السماء والأرض، فكل شريك أو شفيع يزعمه المشركون باطل ومعدوم لا يملك نفعاً ولا ضراً.
زيادة "من" الاستغراقية في {مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ}:
نص قاطع في نفي أي نصير أو متكفل أو شفيع يملك أن يخلص العبد من عذاب الله إذا أراد به سوءاً، مما يقطع كل حبال الرجاء بغير الله.
التذييل التوبيخي {أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ}:
الاستفهام الإنكاري المقرون بالتذكر؛ إشارة إلى أن هذه الحقائق مغروسة في بداهة العقول والفطر، ولكن تحتاج النفس فقط إلى نفض غبار الغفلة لتتذكر ما هو مستقر في فطرتها الأولى.
التدبر الإشاري:
من اتخذ الله ولياً كفاه كل مؤونة، ومن استغنى بالله عن شفعاء الأرض أعزه الله وملأ قلبه طمأنينة وعزة؛ إذ الولي الحقيقي هو القاهر فوق عباده المستوي على عرش جلاله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
دعوة الناس إلى التوحيد الخالص من خلال براهين الخلق الكونية؛ وتطهير العقيدة من الشركيات والتعلق بالقبور أو الأولياء كشفعاء مستقلين عند الله.
التوجيه التربوي:
غرس أدب السلف في إثبات صفات الله كما تليق بجلاله، وتعليم الجيل عدم الخوض في الكيفيات الفلسفية العقيمة التي تضل العقول.
التوجيه العملي:
تجريد التوكل على الله وحده، وقطع الطمع في مساعدة المخلوقين إذا تعارضت مع طاعة الخالق.
الوجدان الإيماني:
الهيبة البالغة والتعظيم لجلال الملك الديان المستوي على عرشه، والمحيط بكل ذرة في كونه.