قال ابن جرير الطبري (20/166)مصدر غير محدد٢٠/١٦٦: «يقول تعالى ذكره: ثم جعل ذرية آدم وتناسله من سلالة؛ يعني من نطفة تسل من صلبه وترائب المرأة سلاً، {مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ} يعني ضعيف حقير، وهو المني».
ونقل ابن كثير (6/351)مصدر غير محدد٦/٣٥١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: «{نَسْلَهُ}: ذريته وأولاده يتوالدون جيلاً بعد جيل، {مِن سُلَالَةٍ}: أي صفوة تُسل وتستخرج من بين الصلب والترائب، {مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ}: أي ضعيف لا قوة له ولا عزة في عيون الناس، كما قال في المرسلات: {أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ}».
وقال السعدي (ص 653)مصدر غير محدد٦٥٣: «هذا تذكير لأولاد آدم بأصل خلقهم وطورهم الثاني؛ فالأب الأول خلق من طين مباشرة، ثم نسله من سلالة مائية ضعيفة مهينة، ليقر الإنسان بفقره وضعفه ويشهد كمال قدرة ربه الذي ينشئ من هذه القطرة المهينة بشراً سوياً».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
النَّسْل: الذرية والأولاد، وأصله من النسول وهو السقوط والانفصال بسرعة؛ يقال: نسل ريش الطائر إذا سقط، ونسل الولد من بطن أمه إذا خرج.
السُّلالة: فُعالة من السل، وهو انتزاع الشيء وإخراجه برفق ولطف، والسلالة: الصفوة المستخلصة من الشيء.
المَهِين: الفعيل من المهانة، وهو الضعيف الحقير المسترذل، والمهين: القليل الحقير القدر.
الإعراب والوجوه النحوية:
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي الرتبي والتكويني بين خلق آدم وخلق ذريته.
{جَعَلَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
{نَسْلَهُ}: مفعول به أول منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{مِن سُلَالَةٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثانٍ لجعل (أو متعلقان بجعل إن كانت بمعنى خلق).
{مَّهِينٍ}: نعت لماء مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتقاء في عرض أطوار الخلق البشري:
في الآية السابقة بين أصل النشأة الأولى للبشرية: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ}.
وهنا في هذه الآية بين سنة التكاثر والامتداد البشري المستمر: {ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ}.
هذا الجمع بين البداية الترابية المعجزة والتكاثر المائي الوراثي يجمع حقائق البيولوجيا التكوينية ويبرز طلاقة القدرة الإلهية التي تخلق من التراب إنساناً، ثم تجعل بقاء نوعه من ماء مهين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد البعث بعد تفرق الذرات مقارنة بالنشأة المائية: يستبعد منكر البعث كيف يحيى الميت بعد أن يصير تراباً متناثراً.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تلفت الآية العقل إلى الواقع المشاهد كل يوم: أنتم ترون قطرة ماء مهينة لا قوام لها ولا عظام ولا أعصاب، تُسل من صلب الرجل وترائب المرأة، فيودعها الله في قرار مكين، ثم يخرج منها إنساناً مفكراً ذا سمع وبصر وعقل ينطق ويخاصم!
فالذي قدر على تحويل قطرة الماء المهين الذائب إلى هذا الهيكل البشري المعقد المليء بأجهزة المناعة والدماغ والقلب، كيف يعجز عن جمع ذراته بعد الموت وإعادتها ثانية؟!
إن الإعادة في ميزان العقل والمنطق أهون من الابتداء، مع أن كلاً على الله هين يسير.
السلالة هي "الخلاصة المنتزعة"؛ وفي ضوء علم الأجنة والوراثة الحديث: يُقذف من ماء الرجل مئات الملايين من النطاف، ولكن نطفة واحدة مستخلصة (سلالة) هي التي تخترق البويضة وتلقحها لتكوين الجنين! فالتعبير بـ "سلالة" يمثل قمة الدقة العلمية الإعجازية.
التنكير في {مَّاءٍ مَّهِينٍ}:
تحقير لشأن المادة الأولية للجسد؛ لكسر شوكة الغرور والصلف في نفس الإنسان، فكيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين وكان أصله ماءً مهيناً؟!
التدبر الإشاري:
تذكر ضعفك وأصلك المهين كلما نازعتك نفسك إلى الكبر والخيلاء؛ واشهد عظمة الفضل الإلهي الذي رفع هذا الماء المهين إلى مقام العبودية والمناجاة وخلافة الأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إلزام الملاحدة والمشركين ببرهان النشأة الجنينية؛ واستخدام معطيات علم الأجنة كأدلة حية على وحدانية الله وكمال قدرته.
التوجيه التربوي:
غرس خلق التواضع في قلوب الناشئة؛ وتذكيرهم بأن التفوق والفضل إنما هو بالتقوى والعمل الصالح لا بعنصرية الطين والماء.
التوجيه العملي:
الحفاظ على العفة والطهارة؛ وتسخير غريزة التناسل في الزواج الشرعي النظيف لإخراج نسل موحد يعبد الله ويعمر الأرض بطاعته.
الوجدان الإيماني:
الانكسار التام بين يدي الخالق، وشهود عظيم نعمته في تحويل النطفة المائية الضعيفة إلى إنسان يسمع ويبصر ويتحرك.