قال ابن جرير الطبري (20/169)مصدر غير محدد٢٠/١٦٩: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولو ترى يا محمد هؤلاء المشركين المكذبين بالبعث يوم القيامة إذ هم ناكسو رؤوسهم من الخزي والحياء والذل عند ربهم، خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، يقولون: يا ربنا أبصرنا ما كنا نكذب به من عذابك وبعثك، وسمعنا منك تصديق ما جاءت به رسلك، فارددنا إلى الدنيا نعمل فيها بطاعتك صالحاً غير الذي كنا نعمل، إنا قد أيقنا الآن بما جئتنا به! ولكن هيهات، فات الأوان وانقضى زمان العمل».
ونقل ابن كثير (6/353)مصدر غير محدد٦/٣٥٣: «يخبر تعالى عن حال المشركين المجرمين يوم القيامة حين يعاينون البعث ويقومون بين يدي الله عز وجل أذلاء خاضعين ناكسي رؤوسهم، أي مطأطئيها من الحياء والخجل والمهانة، ويقولون معترفين بما كانوا ينكرون: {رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا}، ولكن هذا الاعتراف لا ينفعهم؛ لأن الإيمان المقبول هو الإيمان بالغيب في الدنيا، أما بعد معاينة الآخرة فلا يقبل إيمان كافر كما قال تعالى: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا}».
تفسير {فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ}:
قال السعدي (ص 653)مصدر غير محدد٦٥٣: «طلبوا الرجوع إلى الدنيا ليتداركوا ما فات، وزعموا أنهم صاروا موقنين، ولكن الله يعلم كذبهم؛ فلو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون، وسنة الله قضت أن الآخرة دار جزاء لا دار عمل، وأن الرجوع إلى الدنيا مستحيل».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
نَاكِسُو: النَّكْس: قلب الشيء ورده على رأسه، ونكس الرأس: طأطأته وخفضه إلى أسفل من الذل والخزي والندم الشديد؛ يقال: نكس رأسه خجلاً.
أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا: عاينّا بأعيننا الحقائق الغيبية التي كنا نكذب بها، وسمعنا من الرسل والملائكة النداء الصادق.
وهنا في هذه الآية صور مشهدهم يوم القيامة بعد أن انكشفت الحقيقة؛ فانقلب ذلك الاستكبار والغرور الساخر إلى خزي وذل وانكسار، وطأطأ أولئك المستكبرون رؤوسهم في التراب خجلاً وسألوا الرجعة بلهجة الاستعطاف البائس!
هذه النقلة التصويرية المفاجئة تكشف الفارق الهائل بين تبجح الكافر في دنياه وذله في أخراه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قبول التوبة بعد الموت وطلب فرصة ثانية (أوهام الرجعة والتقمص): يروج بعض أصحاب الأديان الوضعية (كالهندوسية والبوذية) لنظرية التناسخ والتقمص (أن الروح ترجع في أجساد أخرى للتكفير)، ويطلب الكافر في الآخرة الرجوع للعمل الصالح.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
يقرر القرآن استحالة الرجعة وقفل باب التدارك بعد الموت: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ}.
فالحكمة الإلهية في خلق الإنسان قامت على "الابتلاء بالغيب": {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ فإذا انكشف الغيب وصار شهادة عيانية سقط الابتلاء وامتنع التكليف.
إن يقينهم في الآخرة: {إِنَّا مُوقِنُونَ} هو "يقين اضطراري قاهر" لا ينفع صاحبه؛ لأن الإيمان المثاب عليه هو الإيمان الطوعي الاختياري في دار الابتلاء.
حذف بلاغي معجز؛ لفتح خيال السامع لاستحضار أقصى وأشنع صور الفزع والخزي والهول؛ فالمشهد يعجز البيان البشري عن حصر تفاصيله.
التعبير الحركي بـ {نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ}:
رسم هيئة فيزيائية حية للمجرمين؛ فالمتكبر الذي كان يرفع أنفه ويصعر خده للناس في الدنيا، يطأطئ رأسه حتى تكاد تلتصق بصدره من شدة المهانة والذل بين يدي الجبار.
التدبر الإشاري:
كل من استكبر عن الخضوع لله في الدنيا بالسجود والصلاة، نكس رأسه رغماً عنه يوم القيامة في دار الجزاء؛ فالسجود الاختياري اليوم عز ورفعة، ونكس الرأس غداً خزي وحسرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إيقاظ الغافلين والمستهترين بتصوير هذا المشهد المخزي؛ وحثهم على تدارك أنفسهم قبل فوات الأوان وقفل صحائف العمل.
التوجيه التربوي:
تعليم الأبناء خطورة التسويف وتأجيل التوبة؛ فالعمر لحظات تنقضي، ولا رجعة بعد الموت.
التوجيه العملي:
اغتنام الصحة والفراغ في العمل الصالح، ومحاسبة النفس قبل أن تحاسب، والبكاء من خشية الله في الخلوات.
الوجدان الإيماني:
الخوف والوجل الشديد من مقام الوقوف بين يدي الله، والتضرع بالدعاء: «اللَّهُمَّ لَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْعَرْضِ عَلَيْكَ».