قال ابن جرير الطبري (20/163)مصدر غير محدد٢٠/١٦٣: «يقول تعالى ذكره: يقضي الله قضاءه، ويدبر أمر خلقه من السماء، وينزله بالملائكة الكرام إلى الأرض بأرزاق العباد وآجالهم وأعمالهم وسائر شؤونهم، ثم يعرج ذلك الأمر والأعمال والملائكة إليه صعداً في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون أنتم أيها الناس من سني الدنيا؛ وذلك مسيرة خمسمائة عام هبوطاً وخمسمائة عام صعوداً».
ونقل ابن كثير (6/349)مصدر غير محدد٦/٣٤٩ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: «{يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ}: ينزل أمره وقدره من أعلى السماوات إلى تخوم الأرضين، ثم تعرج الملائكة بالأعمال والأوامر إليه، والمسافة بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، ونزولها وصعودها في يوم واحد يقطعه الملك في طرفة عين، وهو في ميزان حركة البشر مسيرة ألف سنة مما تعدون».
وعن قتادة والسدي في قوله {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ}: «هو يوم القيامة ومقداره في الشدة على الكافر كألف سنة من سني الدنيا»، ولكن جمهور المحققين كابن عباس والضحاك وابن كثير رجحوا القول الأول في هذه الآية لأنها في سياق حركة التدبير اليومي المستمر، بخلاف آية المعارج {فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} فهي في يوم القيامة وأهواله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
يُدَبِّرُ: التدبير: النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على أحسن الوجوه وأحكمها، وتدبير الله تصريفه للأكوان بمقتضى الحكمة والعدل.
يَعْرُجُ: العروج: الصعود في معارج الارتفاع بخطوط منحنية أو مدارية مائلة، وأصله من العَرَج وهو الميل.
الإعراب والوجوه النحوية:
{يُدَبِّرُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر ثانٍ للفظ الجلالة، أو حال من الضمير في استوى.
{الْأَمْرَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}: ثم حرف عطف وتراخ، يعرج مضارع مرفوع وفاعله مستتر، وإليه متعلقان بيعرج، والجملة معطوفة على يدبر.
{فِي يَوْمٍ}: جار ومجرور متعلقان بيعرج (أو بيدبر ويعرج معاً).
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح، واسمها ضمير مستتر تقديره هو يعود على يوم.
{مِقْدَارُهُ}: مبتدأ، أو اسم كان المؤخر، والأولى أن تكون جملة {مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ} في محل نصب خبر كان، ومقداره مبتدأ، وألف خبره وهو مضاف وسنة مضاف إليه.
{مِّمَّا تَعُدُّونَ}: من حرف جر، وما اسم موصول في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بنعت لألف سنة، وتعدون مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وصلة الموصول، وقرئ في السبع بالياء (يعدون) وبالتاء (تعدون).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز الهيمنة الإلهية والتدبير الحي للكون:
بعد أن بين استواءه على العرش وخلقه للسماوات والأرض، بين أن هذا الخلق ليس مجرد بناء ساكن تركه صانعه بعد بنائه كما تزعم الفلسفات الربوبية التائهة!
بل هو قيوم حي يدبر أمر كل ذرة في الوجود كل لحظة بحركة دائبة لا تتوقف؛ فالمراسيم والأقدار تنزل من السماء إلى الأرض، ثم تعرج التقارير والأعمال إليه عبر معارج الكون الفسيح في نظام إداري إلهي بديع لا تشوبه غفلة ولا تعتريه فوضى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفوضى الطبيعية والعبثية الوجودية (المصادفة والكون الأعمى): يزعم الملاحدة أن حوادث الكون ومصائر البشر تجري بآليات عمياء تصادفية بلا غاية ولا تدبير علوي.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة الإعجازية:
تضع الآية أساس "العناية الإلهية الفائقة"؛ فالأمر كله ينحدر من السماء تدبيراً وتفصيلاً، وتصريفاً لأقدار المطر والرياح والولادة والموت والصحة والمرض والحروب والحضارات.
وتوافق الآية ما يكتشفه علم الفيزياء الفلكية المعاصر حول "نسبية الزمن" والسرعات الكونية الهائلة؛ فالملائكة التي تقطع في يوم واحد ما يقطعه الإنسان بحركته الأرضية في ألف سنة، تتحرك بسرعات تقارب سرعة الضوء أو تفوقها بأشواط، مما يجعل المسافات الشاسعة لمجرات الكون مطوية أمام قدرة الله وأمره النافذ.
والكون الذي يتحرك بمثل هذه الدقة الرياضية الفائقة يستحيل في بديهة العقل الرياضي أن يكون نتاج عشوائية صدفية.
للدلالة على التجدد والاستمرار الدائم للتدبير الإلهي؛ فكل يوم هو في شأن، يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين.
الطباق الحركي بين {مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} و{ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ}:
رسم مسار دائري مهيب لحركة الأوامر والأعمال في الكون؛ نزول الرحمات والأقدار بالخيرات، وصعود الطاعات والصالحات، مما يربط الأرض بالسماء برباط روحي دائم.
التدبر الإشاري:
عملك الصالح الذي تؤديه في صلاتك أو صدقتك يخرج من بين يديك فيصعد عبر السماوات السبع حتى يعرض على الله الملك الديان في ذلك اليوم؛ فاحرص على ألا يعرج إليه من أقوالك وأعمالك إلا كل طيب طاهر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
توجيه قلوب الناس للثقة بتدبير الله ولطفه، وبيان أن ما يجري في العالم من كوارث وأحداث كلها تجري بمقتضى حكمة علوية وتدبير إلهي متقن.
التوجيه التربوي:
غرس قيمة الإتقان والتخطيط وحسن التدبير في نفوس الطلاب والمتربين اقتداءً بتدبير الله المحكم لخلقه.
التوجيه العملي:
مراقبة الأعمال اليومية واستحضار أنها ستعرض على الله في المساء والصباح؛ كما جاء في الحديث: «يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ».
الوجدان الإيماني:
الطمأنينة المطلقة بزوال القلق والخوف من المستقبل؛ لعلم المؤمن أن أمره وأرزاقه وأقداره تدبر من السماء بيد رب رحيم حكيم.