قال ابن جرير الطبري (20/180)مصدر غير محدد٢٠/١٨٠: «يقول تعالى ذكره: أما الذين صدقوا الله ورسوله وأقروا بما جاءهم به من عند ربهم، وعملوا الصالحات بطاعته وأداء فرائضه، فلهم بساتين الجنات التي يأوون إليها ويستقرون فيها، ضيافة وتكريماً من الله لهم بما كانوا في الدنيا يعملون من الصالحات».
ونقل ابن كثير (6/355)مصدر غير محدد٦/٣٥٥ عن قتادة وابن عباس: «{جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ}: هي الجنات التي تأوي إليها أرواح الشهداء والمؤمنين، وهي عند سدرة المنتهى كما قال تعالى: {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ}، وقيل: تأوي إليها النفوس المؤمنة وتسكن فيها استقراراً أبدياً لا تحول عنه ولا زوال، {نُزُلًا}: أي ضيافة وقرى وكرامة مجهزة لهم».
وقال السعدي (ص 654)مصدر غير محدد٦٥٤: «تفصيل لعدم استواء الفريقين؛ فبدأ بجزاء المؤمنين لسبق الرحمة والغضب؛ فبشرهم بجنات المأوى التي تجمع كل نعيم وتأوي إليها الأرواح في أمان وخلود، وجعلها نزلاً لهم إكراماً كنزول الضيف المكرم على المضيف الكريم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
المَأْوَىٰ: المَفْعَل من أَوَى يَأْوِي، وهو المكان الذي يلجأ إليه الإنسان ويستقر فيه ليجد الأمن والراحة والسكن بعد التعب والتطواف.
النُّزُل: بضمتين، أو بضم فسكون (نُزْلاً): ما يهيأ للنزيل والضيف عند قدومه من الكرامة والطعام والمنزل المريح.
الإعراب والوجوه النحوية:
{أَمَّا}: حرف تفصيل وشرط وتوكيد مبني على السكون.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل رفع مبتدأ.
{آمَنُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: معطوف على آمنوا، والصالحات مفعول به منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
{فَلَهُمْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط المتضمن في أما، اللام حرف جر، وهم ضمير متصل في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم.
{جَنَّاتُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.
{الْمَأْوَىٰ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة على الألف للتعذر، والجملة الاسمية {فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ} في محل رفع خبر المبتدأ الذين.
{نُزُلًا}: حال منصوبة من جنات المأوى، أو مفعول به ثانٍ، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (نزلوا نزلاً).
{بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: الباء سببية، وما مصدرية، وجملة كانوا صلة ما، وجملة يعملون خبر كان، والمصدر المؤول متعلق بنزلاً أو بالاستقرار المقدر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفصيل الإجمال لعدم الاستواء:
في الآية السابقة قرر القاعدة العامة: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}.
وهنا في هذه الآية وما بعدها بدأ بالتفصيل التفريقي العادل الموعود؛ فاستهل ببيان المآل المشرق لأهل الإيمان والعمل الصالح: جنات المأوى، ثم يعقبه ببيان مآل الفاسقين في النار.
وهذا الترتيب النظمي يبدأ بالبشارة تكريماً للمحسنين قبل الإنذار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجمع بين الإيمان المجرد والنجاة بدون عمل صالح: يزعم المرجئة وأهل التسويف أن مجرد التصديق القلبي أو التلفظ بالشهادة كافٍ لنيل أعلى درجات الجنة دون حاجة لمكابدة الأعمال الصالحة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقرن الآية الكريمة في نص حاسم بين الإيمان والعمل الصالح: {آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
فالإيمان شجرة تثمر العمل الصالح حتماً؛ والعمل الصالح هو البرهان الخارجي على صدق الدعوى الباطنة.
وقوله: {بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يربط نيل هذا النزل الإلهي بالعمل التكليفي في الدنيا، فالجنة لا تنال بالأماني الباطلة ولا بالدعاوى العريضة، بل بإيمان يصدقه العمل؛ والعمل سبب ونيل الجنة برحمة الله وفضله.
استعارة مكنية لطيفة تمس شغاف القلب؛ فالمؤمن في دنياه غريب مسافر مكابد للمشاق والفتن، حتى إذا بلغ الجنة وجد "المأوى" الحقيقي الذي تستريح فيه نفسه وروحه من كل عناء وألم وخوف.
التعبير بـ {نُزُلًا}:
تشبيه تكريمي بديع؛ فالنزل هو أول ما يقدم للضيف من أعظم التحايا وأفخر القرى، مما يشعر بأن جنات المأوى هي مجرد "بداية الضيافة الإلهية"، فما ظنك بما بعد النزل من فيوضات الرضوان والكرامة والخلود؟!
التدبر الإشاري:
بيتك الحقيقي ليس الذي تبنيه في الدنيا من الإسمنت والرخام وسرعان ما تتركه بالموت، بيتك ومأواك الحقيقي هو ما تبنيه في الجنة بالركعات والسجدات والصدقات في خلوات الليل وأطراف النهار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
ترغيب الناس بالبشائر الإلهية وجنات المأوى؛ وبعث الأمل في نفوس التائبين والمستضعفين بأن لهم مأوى كريماً ينتظرهم عند ربهم.
التوجيه التربوي:
تعليم الأبناء أن الحياة الدنيا محطة مؤقتة، وأن الغاية العظمى لكل مسلم هي الوصول بسلام إلى جنات المأوى.
التوجيه العملي:
الجمع الدائم بين صحة الاعتقاد وصلاح العمل؛ والإكثار من الصالحات التي تثبت قدم العبد على الصراط.
الوجدان الإيماني:
الفرح والسرور بفضل الله ورحمته، واطمئنان القلب بأن جهد المؤمن الصالح وتضحياته محفوظة عند أكرم الأكرمين.