أخرج البخاري في صحيحه (رقم 3244)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٤٤ ومسلم في صحيحه (رقم 2824)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٢٤ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}».
وأخرج مسلم في صحيحه (رقم 189)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٩ عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه رفعه في قصة سياط النعيم لأدنى وأعلى أهل الجنة، وفيه سئل موسى ربه: يا رب، فمن أعلاهم منزلة؟! قال: «أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ، غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِي، وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا، فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»، ومصداقه في كتاب الله: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}.
أقوال أئمة التفسير في سر إخفاء الجزاء:
قال الحسن البصري: «أخفى قوم عملهم في الليل لله، فأخفى الله لهم ما لم تر عين ولم يخطر على قلب بشر».
وقال الطبري (20/178)مصدر غير محدد٢٠/١٧٨: «يقول تعالى ذكره: فلا يعلم أحد من الخلائق أي شيء ادخر الله لهؤلاء القائمين بالليل المنفقين من أموالهم مما تقر به أعينهم في الجنة من النعيم والسرور الذي لا ينقطع؛ جزاء لهم بما كانوا في الدنيا يعملون بطاعة الله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
قُرَّةِ أَعْيُنٍ: القُرَّة: الاستقرار والبرودة والراحة والسرور التام؛ لأن دمعة الفرح والسرور باردة، بينما دمعة الحزن والأسى حارة تسخن بها العين، فقرّت عينه: أي بردت وسكنت واستقرت برؤية ما تحب وسرّت به سروراً يغنيها عن التطلع إلى غيره.
أُخْفِيَ: الإخفاء: الستر والصيانة عن الأعين وعن الإدراك الحسي تعظيماً وتشويقاً.
{تَعْلَمُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
{نَفْسٌ}: فاعل مرفوع بالضمة، والتنكير يفيد العموم والشمول لكل نفس ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً.
{مَّا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لتعلم، أو استفهامية مبتدأ وأخفي خبرها والجملة معلقة لتعلم عن العمل وسدت مسد مفعوليها.
{أُخْفِيَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو، وقرأ حمزة ويعقوب: {أَخْفَيْتُ} بضم الهمزة وسكون الخاء وتاء الفاعل المتكلم على إسناد الفعل لله مباشرة، والجمهور على البناء للمجهول.
{لَهُم}: جار ومجرور متعلقان بأخفي.
{مِّن قُرَّةِ}: {مِنْ}: بيانية أو تبعيضية، قرة اسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من ما، وقرأ نافع وأبو بكر وابن عامر: {مِّن قُرَّاتِ أَعْيُنٍ} بالجمع.
{أَعْيُنٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{جَزَاءً}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (جزيناهم جزاءً).
{بِمَا}: الباء حرف جر سببية، {مَا}: مصدرية (أي بعملهم)، أو موصول.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص واسمها.
{يَعْمَلُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة الصلة لا محل لها، والجار والمجرور متعلقان بجزاء.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قاعدة المشاكلة والجزاء من جنس العمل:
لما وصف الله عمل هؤلاء الأبرار في الآية السابقة بأنهم أخفوا طاعتهم وصلاتهم في ظلمات الأسحار تجافياً عن المضاجع حين غفل الناس، ناسب في حكمة الجزاء أن يكافئهم بجزاء خبيء مكنون لا يعلم كنهه أحد: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}.
هذا التناسب البديع يرسخ قاعدة "الجزاء من جنس العمل وفاقاً"؛ فخفاء بطاعة الله في الليل يقابله خفاء في نعيم الأبد في الجنة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التوصيف الحسي للجنة واختزالها في المأكل والمشرب والشهوات: يزعم المشككون والمستشرقون أن الجنة في الإسلام مجرد حديقة حسية للشهوات البدنية تفتقر إلى النعيم الروحي والتعالي المعرفي.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة الصارمة:
تفحم الآية الكريمة والحديث النبوي الصحيح هذه الشبهة التافهة؛ فالقرآن حين يصف الجنة بالأنهار والقصور والفاكهة إنما يقرب الصورة لعقول البشر بمألوف لغتهم الدنيوية كما قال ابن عباس رضي الله عنهما: «ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء».
أما حقيقة النعيم الأعلى وجوهره فهو ما أعلنته هذه الآية بوضوح تام: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}، وأكده الحديث القدسي: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»؛ فالنعيم الأعظم نعيم روحي، ووجداني، ورؤية لوجه الله الكريم، ورضوان أكبر، وسعادة تعجز مدارك العقول وخيالات الفلاسفة عن الإحاطة بها.
وقوع النكرة في سياق النفي يفيد الشمول؛ فلا ملك مقرب (ولا جبريل)، ولا نبي مرسل (ولا محمد صلى الله عليه وسلم) يعلم كنه ذلك النعيم المكنون الذي ادخره الله لأولئك الأبرار.
إضافة "القرة" إلى "الأعين" {قُرَّةِ أَعْيُنٍ}:
استعارة تفيد بلوغ الغاية القصوى من الرضى والسعادة؛ بحيث تسكن العين استغراقاً في النعيم فلا تطمح إلى شيء آخر يوازيه.
التدبر الإشاري:
كل نعيم في الدنيا مهما عظم فإنه يمل وتفتر به العين، إلا نعيم الجنة فإنه قرة عين متجددة لا تعرف الملل ولا الفناء ولا الزوال؛ فما أعظم الخسارة لمن باع هذا النعيم المكنون بلذة ذنب عابر في أيام قلائل!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
ترغيب الناس في الجنة بالجمع بين الوصف الحسي المبسط والوصف الغيبي المهيب الذي يشوق الأرواح العالية.
التوجيه التربوي:
تربية النفس على حب "عبادات السر والخفاء" (صدقة السر، قيام الليل، البكاء من خشية الله)؛ فإن لها عند الله ذخائر لا يعلمها أحد.
التوجيه العملي:
الإكثار من الصالحات احتساباً لهذا الجزاء؛ وعدم التطلع إلى مدح الناس وثنائهم؛ لأن ما عند الله أعظم وأبقى.
الوجدان الإيماني:
فيضان مشاعر الشوق العارم إلى الجنة ولقاء الله، وصغر هموم الدنيا وآلامها أمام هذا الوعد الإلهي المعظم.