أخرج ابن جرير الطبري (20/179)مصدر غير محدد٢٠/١٧٩ والواحدي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «قال الوليد بن عقبة بن أبي معيط لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنا أحدّ منك سناناً، وأبسط منك لساناً، وأملأ منك كتيبة! فقال له علي: اسكت؛ فإنما أنت فاسق، فأنزل الله تعالى في ذلك: {أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتَوُونَ}».
ونقل ابن كثير (6/355)مصدر غير محدد٦/٣٥٥: «يخبر تعالى عن عدله وحكمته أنه لا يسوي في حكمه يوم القيامة بين من كان مؤمناً بآياته متبعاً لرسله، وبين من كان فاسقاً خارجاً عن طاعته مكذباً لرسله، كقوله تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}، وقال: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ}».
القراءات وضبط التلاوة:
أجمع القراء على قوله: {لَّا يَسْتَوُونَ} بالياء وضم الواو، وجمع الضمير مع أن المبتدأين مفردان في اللفظ ({مَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا}) لأن "مَنْ" تفيد الجنس والعموم في المعنى، فيشمل كل مؤمن وكل فاسق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الفِسْق: لغةً: الخروج عن الشيء؛ يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها، وفي الشرع: الخروج عن طاعة الله وأمره، ويطلق على الكفر الأكبر المخرج من الملة (وهو المراد هنا لمقابلته بالإيمان وخلود صاحبه في النار)، ويطلق على كبائر المعاصي دون الكفر.
الاستواء: التماثل والمساواة والاعتدال في الصفات أو الحقوق أو الجزاء.
الإعراب والوجوه النحوية:
{أَفَمَن}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التقبيحي لنفي المساواة، والفاء عاطفة على مقدر، {مَنْ}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{كَانَ مُؤْمِنًا}: كان واسمها مستتر تقديره هو، ومؤمناً خبرها منصوب، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{كَمَن كَانَ فَاسِقًا}: الكاف اسم بمعنى مثل في محل رفع خبر المبتدأ من (أو حرف جر والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر)، ومن صلة الموصول كان فاسقاً.
{لَّا}: نافية للجنس أو نافية مهملة.
{يَسْتَوُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل، والجملة مستأنفة مؤكدة للإنكار، أو مفسرة للحكم المقدر، وجاء الضمير جمعاً حملاً على معنى "مَنْ".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء ميزان العدالة الإلهية والفرز الحاسم بين الفريقين:
بعد أن استعرض جزاء المجرمين بالعذاب الدائم وجزاء المؤمنين الساجدين بالنعيم المكنون، ختم ذلك بتقرير المبدأ العقلي المطلق الذي تنبني عليه شريعة الجزاء؛ وهو "استحالة المساواة بين البر والفاجر".
فلو سوى الله بين المؤمن والفاسق لكان ذلك نقضاً للحكمة والعدل، وتشجيعاً على الظلم والفساد، وتيئيساً للمحسنين من ثمرة إحسانهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المساواة الليبرالية المطلقة والنسبية الأخلاقية المعاصرة: تزعم الفلسفات الإلحادية والنسبية الأخلاقية الحديثة أنه لا يوجد فارق موضوعي بين الفضيلة والرذيلة، وأن الكل يموت وتنتهي قصته في التراب بلا تمييز.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفضح الآية السقوط الأخلاقي والمنطقي لهذه النزعة؛ فالإنكار التام للمساواة {لَّا يَسْتَوُونَ} بديهة عقلية لا ينازع فيها منصف:
فكيف يستوي من أفنى عمره في السجود والبر والعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين، ومن عاش عمره مجرماً سفاحاً ظالماً يملأ الأرض دماءً وفساداً؟!
إن القول باستوائهما في العدم أو في الجزاء هو غاية القبح والظلم والسفه الذي يتعالى عنه حكيم من البشر، فكيف بأحكم الحاكمين؟!
ولهذا كان اليوم الآخر ضرورة عقلية وأخلاقية لإقامة ميزان العدالة التام الذي يقصر عنه نظام الدنيا.
إيقاظ الفطرة والعقل لرفض هذه المساواة المزعومة بأشد لغة إنكارية؛ لتقرير أن التفريق بينهما من أظهر البديهيات.
الجمع في {لَّا يَسْتَوُونَ} بعد إفراد {مُؤْمِنًا... فَاسِقًا}:
إشارة إلى أن هذا الحكم ليس قضية فردية بين شخصين، بل هو ناموس عام يشمل كل جموع المؤمنين وجموع الفاسقين عبر التاريخ البشري كله.
التدبر الإشاري:
لا تستوحش من طريق الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بطريق الباطل لكثرة الهالكين؛ فشتان بين الفريقين في الدنيا والبرزخ والآخرة، وميزان الله هو الميزان الصادق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إبراز عدالة الإسلام وتميزه الأخلاقي؛ وبيان أن ميزان التفاضل عند الله هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح لا المظاهر والممتلكات.
التوجيه التربوي:
ترسيخ مبدأ التفريق بين الصالح والفاسد في عقول النشء؛ وبناء القدوة الصالحة، ومحاربة تمييع الفروق بين القدوات الإيمانية وبين المشاهير الفاسقين.
التوجيه العملي:
مفاصلة الفسق وأهله في السلوك والأخلاق، والحرص على الانضمام إلى ركب المؤمنين في القول والعمل.
الوجدان الإيماني:
اليقين التام بعدالة الله المطلقة، وانشراح الصدر لليقين بأن تضحيات المؤمن وصبره لن تضيع هباءً عند ربه.