قال ابن جرير الطبري (20/184)مصدر غير محدد٢٠/١٨٤: «يقول تعالى ذكره: وأي الناس أشد ظلماً لنفسه، وأعظم جرماً وعدواناً، ممن وعظه الله بحججه وأدلته وآيات كتابه، وبين له الحق وأمره باتباعه، ثم تولى عنها وأعرض مصراً على كفره مستكبراً عن قبولها؟! {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} يقول: إنا من كل من أجرم وظلم واعتدى بترك طاعتنا وتكذيب آياتنا منتقمون بعذابنا الشديد يوم القيامة».
ونقل ابن كثير (6/356)مصدر غير محدد٦/٣٥٦: «{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا}: أي لا أحد أظلم ممن بينت له آيات الله وأوضحت له، ثم تركها وتناساها وأعرض عنها كأنه لم يسمعها؛ ولذا قال متوعداً: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}، أي سننتقم ممن فعل ذلك أشد الانتقام».
وقال السعدي (ص 654)مصدر غير محدد٦٥٤: «هذا وعيد شديد لمن قامت عليه الحجة وتكرر عليه التذكير بمواعظ الله وآياته، ثم أعرض عنها بعد البيان؛ فلا أحد أظلم منه؛ لأنه آثر العمى على الهدى والباطل على الحق عن علم وبصيرة، ومثل هذا حقيق بحلول نقمة الله وسطوته».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الإعراض: الصد والالتفات بالصفحة والوجه عن الشيء؛ من عرض الوجه وجانبه، وأعرض عن الشيء: تركه وتولى عنه استخفافاً أو كراهية.
الانتِقام: إنزال العقوبة العادلة بالمعتدي جزاء جرمه وجنايته؛ من نقم عليه إذا عاقبه وأنكر عليه فعله القبيح، وانتقام الله عدل محض وتنفيذ لوعيده الحق.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَمَنْ}: الواو استئنافية، {مَنْ}: اسم استفهام متضمن معنى النفي والإنكار في محل رفع مبتدأ.
{أَظْلَمُ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
{مِمَّن}: من حرف جر، من اسم موصول مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بأظلم.
{ذُكِّرَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِآيَاتِ رَبِّهِ}: جار ومجرور ومضاف إليه ومضاف إليه متعلقان بذكر.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب مع التراخي في الرتبة والزمان.
{أَعْرَضَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة معطوفة على صلة الموصول.
{عَنْهَا}: جار ومجرور متعلقان بأعرض.
{إِنَّا}: إن واسمها في محل نصب.
{مِنَ الْمُجْرِمِينَ}: جار ومجرور متعلقان بمنتقمون قدم للاهتمام والتوكيد.
{مُنتَقِمُونَ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة تذييلية مؤكدة للوعيد.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج السياق الإلهي في الآيات السابقة: من التذكير بالنشأة الإنسانية، إلى إبطال شبهات البعث بملك الموت، إلى عرض مشهد ناكسي الرؤوس، إلى الترغيب بجنات المأوى للمؤمنين الساجدين، إلى الترهيب بنار الجحيم، إلى التنبيه بالعذاب الأدنى في الدنيا.
فإذا لم تنفع هذه المنظومة المتكاملة في إيقاظ العبد، وظل مصراً على الإعراض والجحود، ختم المقطع بإعلان أنه قد بلغ قمة الظلم الإنساني: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ...}، وأنه لا بديل أمامه إلا أن يواجه نقمة الجبار العادلة: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العذر بالجهل المطلق والهروب من المسؤولية المعرفية: يزعم المعاندون والمستكبرون أنهم لم يكونوا يعلمون خطورة ما هم عليه، أو يحتجون بالتشكيك والنسبية لتسويغ إعراضهم.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقطع الآية حبل هذا التهرب؛ فالكلام ليس فيمن لم تبلغه الرسالة، بل فيمن {ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ} وقامت عليه الحجج والبراهين الساطعة، فسمع وفهم وعلم.
ثم استخدمت الآية حرف التراخي {ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا} لتدل على أنه لم يعرض في فورة غضب عارضة أو لحظة جهل سريعة، بل أمهله الله وفكر وتأمل، ثم اتخذ قراره الواعي العنيد بالإعراض والصد عن آيات الله!
ومثل هذا المعاند المستكبر لا عذر له في ميزان العقل والعدل؛ ولذا كان هو "أظلم الظالمين" واستحق الانتقام الإلهي الصارم.
صيغة التفضيل مع الاستفهام الإنكاري {وَمَنْ أَظْلَمُ}:
نفي قاطع لوجود أي كائن يفوق هذا المعرض في الظلم والجرم والعدوان؛ فمن أعرض عن نور الله بعد معرفته فقد اختار الظلمات بمحض إرادته.
الجملة الاسمية المؤكدة بإن في {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}:
إعلان مهيب لبطش الجبار وانتقامه العادل؛ وتقديم الجار والمجرور {مِنَ الْمُجْرِمِينَ} لبيان أن انتقام الله ليس تشفياً — تنزه الله عن ذلك — وإنما هو قضاء مبرم يستحقه كل مجرم تمرد على ربه وظلم نفسه.
التدبر الإشاري:
احذر أن تتلى عليك آية أو يبلغك حكم شرعي ثم تعرض عنه بقلبك أو عملك تكبراً وتشاغلاً بدنياك؛ فإن الإعراض بعد التذكير خطوة خطيرة تقرب العبد من مقت الله وانتقامه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تحذير المدعوين من خطورة الإعراض بعد قيام الحجة؛ والتركيز على تبليغ الآيات ببلاغ مبين يقطع الأعذار.
التوجيه التربوي:
تعويد النفس والطلاب على سرعة الاستجابة لآيات الله وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحاربة التردد والتسويف في قبول الحق.
التوجيه العملي:
الانقياد الفوري لكل أمر شرعي يبلغه العبد؛ والابتعاد عن صفات المجرمين المعرضين.