قال ابن جرير الطبري (20/190)مصدر غير محدد٢٠/١٩٠: «يقول تعالى ذكره: ويقول هؤلاء المشركون بالله من قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين به تكذيباً بالحق واستهزاءً بالوعيد: متى هذا الفتح الذي تعدوننا أن يفصل الله بيننا وبينكم فيه بالعذاب والنصر إن كنتم صادقين فيما تقولون؟!».
ونقل ابن كثير (6/358)مصدر غير محدد٦/٣٥٨ عن قتادة والسدي ومجاهد: «{وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ}: الفتح هاهنا هو القضاء والفصل؛ كقوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}، وقيل: هو فتح مكة، والأول أصح وأشمل بدليل الآية التي بعدها: {قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ}؛ لأن يوم فتح مكة قبل النبي صلى الله عليه وسلم إسلام من أسلم من الطلقاء كأبي سفيان وعكرمة، فدل على أن يوم الفتح في الآية هو يوم القيامة والقضاء الأعظم، أو يوم نزول عذاب الاستئصال الذي يغلق باب التوبة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الفَتْح: نقيض الإغلاق، ويستعمل في لغة العرب بمعنى "القضاء والحكم والفصل بين الخصوم"؛ لأن القاضي يفتح ما استغلق على الخصمين ويفصل بينهما، ومنه قيل للقاضي: فتّاح.
{مَتَىٰ}: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ مؤخر.
{الْفَتْحُ}: بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة مرفوع بالضمة الظاهرة، وجملة الاستفهام في محل نصب مقول القول.
{إِن}: حرف شرط جازم مبني على السكون.
{كُنتُمْ}: فعل ماض ناقص مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها.
{صَادِقِينَ}: خبر كنتم منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله (أي: فأخبرونا بموعده إن كنتم صادقين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حكاية استهزاء المعاندين بعد استيفاء البراهين:
بعد أن أقام عليهم الحجج العقلية، والتاريخية بمصارع القرون، والكونية بالأرض الجرز والإنبات، لم يجد المكذبون حجة يدفعون بها هذه البراهين إلا الهروب إلى "الاستهزاء واستعجال العذاب وتحدي الموعد": {مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ}.
وهذا دأب المفلسين من الحجة؛ يتركون مناقشة البرهان ويطالبون برؤية العقوبة الفورية تعنتاً واستكباراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استعجال العذاب كدليل على عدم صدق الوعيد: يقول المشككون: لو كان العذاب والآخرة حقاً فلم لا ينزل الآن ويقضي على الكافرين فوراً؟! ولماذا التأجيل؟!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفضح الآية والرد الذي بعدها هذا الجهل الفادح؛ فالإمهال الإلهي ليس إهمالاً ولا عجزاً، بل هو عين الحكمة والرحمة لتمكين المؤمنين وابتلاء المكلفين واستيفاء الآجال المكتوبة في اللوح المحفوظ.
وتحديد موعد الساعة والعذاب سر من أسرار الغيب استأثر الله بعلمه؛ وتأخره لا يدل عقلاً على كذبه، فالقطار القادم في موعده لا يلغي حقيقة وصوله كونه لم يصل بعد!
والاستعجال دليل حماقة؛ فالجاهل يستعجل ما فيه هلاكه وهلاكه المحتوم.