قال ابن جرير الطبري (20/190)مصدر غير محدد٢٠/١٩٠: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المستعجلين بالفتح استهزاءً: يوم يقضي الله بيننا وبينكم، وينزل بكم بأسه وعذابه في القيامة، لا ينفع حينئذٍ الذين كفروا في الدنيا إيمانهم؛ لأنهم آمنوا عند معاينة العذاب بعد فوات الأوان، ولا هم يمهلون ولا يؤخرون عن العذاب ليتوبوا؛ بل يعاجلون بالنار».
ونقل ابن كثير (6/358)مصدر غير محدد٦/٣٥٨: «{قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ}: أي يوم القيامة الذي يفتح الله فيه بين عباده، ويقضي فيه بالحق، لا ينفع الكافرين إيمانهم حينئذٍ؛ كقوله تعالى: {فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ}».
تفسير {وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ} بالأثر:
قال قتادة ومجاهد: «لا يمهلون ساعة ولا يؤخر عنهم العذاب طرفة عين، ولا ينظر في عذرهم؛ لأنه لا عذر لهم».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، وفاعله مستتر تقديره أنت.
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بينفع، وهو مضاف.
{الْفَتْحِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{لَا}: نافية مهملة.
{يَنفَعُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم لينفع.
{كَفَرُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{إِيمَانُهُمْ}: فاعل مؤخر لينفع مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه، وجملة لا ينفع... في محل نصب مقول القول.
{وَلَا}: الواو عاطفة، لا نافية لتأكيد النفي.
{هُمْ}: ضمير منفصل في محل رفع نائب فاعل لفعل محذوف، أو مبتدأ.
{يُنظَرُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة خبر هم (أو جملة يمهلون).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلجام المستعجلين بالصدمة المروعة:
لما سألوا باستهزاء: {مَتَىٰ هَٰذَا الْفَتْحُ}، جاء الرد الإلهي الصاعق الذي يسلبهم كل أمل؛ مبينة أن هذا الفتح الذي تستعجلونه ساخرين ليس نصراً لكم ولا نجاة، بل هو اللحظة التي يُقفل فيها باب التوبة والإيمان بالكلية!
فلن ينفعكم حينئذٍ أي إيمان متأخر، ولن تمهلوا ثانية واحدة؛ فاستعجالكم له هو استعجال لحسرتكم الأبدية!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة قفل باب التوبة يوم الفتح وقبولها في فتح مكة: أثار بعض الملاحدة والمستشرقين شبهة: كيف يقول هنا {لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ}، والنبي صلى الله عليه وسلم قبل إسلام كفار مكة يوم فتح مكة عام ثمانية للهجرة؟!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة التفسيرية الصارمة:
تكشف الأدلة القرآنية أن لفظ "الفتح" مشترك لفظي؛ فالمراد به في هذه الآية بإجماع أئمة التحقيق (ابن عباس، قتادة، الطبري، ابن كثير) هو: "يوم القيامة والقضاء الأعظم بين الحق والباطل"، أو "يوم نزول عذاب الاستئصال الحتمي" الذي تسقط معه شروط التكليف بالغيب.
أما فتح مكة فهو فتح دنيوي مرحلي لم يرفع التكليف ولا عاين فيه المشركون أهوال الآخرة والملائكة، ولذلك قُبل إسلامهم.
فالتفريق بين الفتح القضائي الأخروي والفتح العسكري الدنيوي يزيل الإشكال تماماً ويثبت الاتساق التام للنظم القرآني المعجز.
تقديم المفعول به في {لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ}:
تقديم لبيان أن الخسارة والوبال واقعان على ذوات الكافرين أنفسهم، وأن هذا الإيمان المتأخر يصير وبالاً وحسرة عليهم.
عطف {وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ}:
نفي مطلق لأي إمهال؛ لبيان المفاجأة القاتلة وسرعة الإطباق عليهم بالعذاب، فلا مجال للمراجعة ولا التدارك.
التدبر الإشاري:
الإيمان المقبول هو إيمان الغيب وأنت في كامل صحتك وعافيتك واختيارك؛ أما إذا بلغت الروح الحلقوم أو طلعت الشمس من مغربها أو قامت القيامة، فقد رُفعت الأقلام وجفت الصحف ولا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تنبيه المدعوين إلى خطورة التسويف وربط التوبة بالمستقبل المجهول؛ فالأجل قد يفجأ العبد في أي لحظة.
التوجيه التربوي:
غرس قيمة "المبادرة الفورية للعمل الصالح"؛ واغتنام زمن الإمهال الدنيوي قبل حلول زمن الجزاء الذي لا إمهال فيه.
التوجيه العملي:
تجديد التوبة الصادقة كل يوم وليلة، والاستعداد التام ليوم الحساب بالبراءة من الشرك والمعاصي.
الوجدان الإيماني:
الخوف والوجل من هول اللحظة التي يقفل فيها باب القبول، والحمد لله الذي فسح في آجالنا ومكننا من التوبة في دار الإمهال.