قال ابن جرير الطبري (20/161)مصدر غير محدد٢٠/١٦١: «يقول تعالى ذكره: أم يقول هؤلاء المشركون بالله من قريش: اختلق محمد هذا القرآن وافتراه من قبل نفسه وتخرصه كذباً؟! {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} يقول: ليس الأمر كما زعموا، بل هو الحق المبين الذي نزل به جبريل من عند ربك يا محمد، أنزلناه عليك لتنذر به قوماً وهم قريش والعرب الذين لم يأتهم نذير من قبلك في زمن الفترة بينك وبين عيسى بن مريم، رجاء أن يهتدوا بإنذارك فيتبعوا الحق وينجوا من عذاب الله».
ونقل ابن كثير (6/348)مصدر غير محدد٦/٣٤٨: «{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}: استفهام إنكاري وتوبيخي، أي بل يقولون ذلك، فرد الله عليهم بقوله: {بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ} وهم العرب، فكان بعثته فيهم أعظم نعمة عليهم {لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}».
وقال السعدي (ص 652)مصدر غير محدد٦٥٢: «أضرب تعالى عن قولهم الفاسد وانتقل إلى إثبات الحق، فبيّن أنه الحق الكامل المصدق لما قبله، والحكمة من إنزاله هي إنذار قوم أميين لم يأتهم رسول قبله، ليخرجهـم من ظلمات الجهل إلى نور الهداية».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
افْتَرَاهُ: الفرية: اختلاق الكذب وافتعاله عمداً بغير أصل، وأصله من الفري وهو قطع الجلد للإصلاح، ثم استعمل في الإفساد والكذب.
الحَقّ: الثابت الواقع المطابق لليقين، وضد الباطل.
لَعَلَّهُمْ: لعل حرف ترجٍّ وإشفاق، وهو في كلام الله يفيد التحقيق أو التعليل المنوط بأسباب المخاطبين (أي لكي يهتدوا إن سلكوا سبيله).
الإعراب والوجوه النحوية:
{أَمْ}: حرف عطف منقطع بمعنى "بل" والهمزة الاستفهامية الإنكارية.
{مِن رَّبِّكَ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بمحذوف حال من الحق.
{لِتُنذِرَ}: اللام لام التعليل، تنذر مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول متعلق بتنزيل أو بالحق.
{قَوْمًا}: مفعول به لتنذر منصوب بالفتحة.
{مَّا أَتَاهُم}: {مَا}: نافية مهملة، {أَتَاهُم}: فعل ماض ومفعول به، والجملة في محل نصب نعت لقوماً (وقيل ما موصولة أي لتنذر قوماً الذي أتاهم، والأول أصح).
بعد أن قرر في الآية السابقة أن الكتاب تنزيل من رب العالمين لا ريب فيه، انتقل إلى حكاية شبهة المعاندين بأسلوب الإضراب والإنكار {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ}.
ثم نقض الدعوى فوراً بحرف الإضراب {بَلْ هُوَ الْحَقُّ}، وعلل هذا التنزيل بالرحمة والحكمة الرسالية: إنذار الأمة الأمية التي عاشت قروناً في ظلمات الفترة والجهالة لعلهم يهتدون.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اختلاق القرآن واتهام النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب: يكرر المشركون والمستشرقون فرية أن القرآن نتاج عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم الفردية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
الرد القرآني والنفسي ينسف هذه الفرية من جذورها:
عرف النبي صلى الله عليه وسلم بين قومه أربعين سنة بـ "الصادق الأمين"، فمن استحال عليه عقلاً أن يكذب على الناس ترفعاً وأمانة، كيف يتجرأ فجأة بعد الأربعين على أعظم الكذب وهو الكذب على الله تبارك وتعالى؟!
لو كان القرآن كلامه لما عاتب نفسه فيه بأشد العتاب في مواقف عدة كقوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ}، و{عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، و{وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}؛ والإنسان بطبعه يستر عيوبه ولا يخلد عتابه في كتاب يتلى إلى يوم القيامة.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب في أمة أمية لم يسبق لها كتاب: {مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ}، فمن أين له هذه العلوم والحقائق التاريخية والتشريعية الباهرة لولا أنه الحق من ربه؟!