قال ابن جرير الطبري (20/167)مصدر غير محدد٢٠/١٦٧: «يقول تعالى ذكره: وقال هؤلاء المشركون المكذبون بالبعث بعد الممات: أإذا هلكنا وبلينا فصرنا تراباً وعظاماً رميماً وضللنا في الأرض؛ أي غبنا فيها وتفرقت أجزاؤنا ولحومنا في بطن التراب حتى لا نكاد نُعرف أو يُميز منا شيء، أإنا لمبعوثون بعد ذلك فمردودون في خلق جديد؟!».
ونقل ابن كثير (6/352)مصدر غير محدد٦/٣٥٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: «{ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ}: أي تفرقت لحومنا وعظامنا في التراب وصرنا عدماً، يقال: ضل الماء في اللبن إذا استهلك فيه وغاب، وضل فلان إذا غاب وضاع. فرد الله عليهم بقوله: {بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ} أي ليس إنكارهم للبعث عن شبهة عقلية، بل هو كفر وجحود تام بلقاء الله والوقوف بين يديه للحساب».
القراءات وضبط التلاوة:
قرأ نافع والكسائي ويعقوب: {صَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} بالصاد المهملة (من صلّ اللحم إذا أنتن وتغير)، وقرأ الجمهور بالضاد المعجمة: {ضَلَلْنَا} (من الضلال وهو الغيبوبة والتلاشي)، وكلا المعنيين حق في شأن الموتى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
ضَلَلْنَا: الضلال هنا بمعنى الغيبوبة والتلاشي والاستهلاك؛ يقال: ضلت الحصاة في البئر إذا غابت فلم تُرَ، وضل الميت في الأرض إذا بلي وتفرق ترابه فيها.
خَلْقٍ جَدِيدٍ: الخلق: الإيجاد والتقدير والتركيب، والجديد: المستأنف الطري الذي لم يكن موجوداً من قبل.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَقَالُوا}: الواو استئنافية، قالوا فعل وفاعل.
{أَإِذَا}: الهمزة للاستفهام الإنكاري الاستبعادي، {إِذَا}: ظرف زمان خافض لشرطه منصوب بجوابه المقدر (أي أنبعث إذا ضللنا؟!).
{ضَلَلْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لإذا.
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بضللنا.
{أَإِنَّا}: همزة استفهام توكيدية، {إِنَّا}: إن واسمها، وقرئ في السبع بالاستفهام في الموضعين، وبالاستفهام في الأول والخبر في الثاني، وبالعكس.
{لَفِي خَلْقٍ}: اللام المزحلقة للتوكيد، في حرف جر، خلق اسم مجرور، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر إن.
{جَدِيدٍ}: نعت لخلق مجرور بالكسرة، وجملة إن واسمها وخبرها في محل نصب مقول القول.
{بَلْ}: حرف إضراب إبطالي وانتقالي مبني على السكون.
{كَافِرُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة مستأنفة لإماطة اللثام عن بواعث كفرهم الحقيقية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مواجهة الشبهة الجوهرية لمنكري البعث وتعرية الباعث النفسي:
بعد أن بين قدرته على بدء خلق الإنسان من طين ونسله من ماء مهين وتسويته ونفخ الروح فيه، ساق هنا الحجة الواهية التي يتمسك بها الكفار لإنكار البعث؛ وهي تشتت الأجساد في الأرض.
ثم أضرب عن مناقشة تشتت الذرات فوراً بـ {بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}؛ ليكشف أن مشكلتهم ليست "استحالة عقلية في إعادة بناء الجسد"، بل مشكلتهم "إنكار أخلاقي وجحود نفسي للحساب والمسؤولية والجزاء"؛ لأنهم يريدون العيش سبهللاً بلا تكليف ولا بعث.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التحلل العضوي الكامل واستحالة إعادة التجميع في الفلسفة المادية: يتمسك الملاحدة والعدميون بأن الموت هو النهاية البيولوجية المطلقة، وأن تحلل الذرات واختلاطها بالتراب والنبات يستحيل معه استرجاع نفس الشخص بهويته ووعيه.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تدحض الآية الشبهة بالحقيقة البديهية: إن تفرق الذرات في الأرض لا يعني فناءها وانعدامها المطلق؛ فالذرة باقية، والتراب موجود، والذي يعلم أين ضلت تلك الذرات وما نقصت الأرض منها: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} قادر على جمعها وإعادتها.
ثم إن الصانع الذي ركب الجسد أول مرة من ذرات ترابية متفرقة دون سابق مثال، قادر بالضرورة المنطقية على إعادة تركيبها في المرة الثانية؛ فالإعادة أيسر في منطق العقل من الابتداء.
والدافع الحقيقي وراء إنكار البعث ليس غياب الدليل، بل الرغبة في التملص من الحساب والوقوف بين يدي الرب المتعال: {بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ}.
تصوير شدة الاستبعاد والتهكم في نفوس المشركين؛ وحشدهم لكل أدوات التوكيد والاستفهام لعكس دهشتهم الزائفة من قضية البعث.
التعبير بـ {ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ}:
استعارة بلاغية لطيفة؛ تشبيه اندماج رفات الموتى في باطن التراب بالمسافر الذي تضل به الطرق ويهلك في تيه الصحراء فلا يعثر عليه أحد.
التدبر الإشاري:
الكفر باليوم الآخر هو أم الفساد في الأرض؛ فإذا أسقط الإنسان من حسابه لقاء الله والحساب الأخروي، تحول إلى وحش كاسر لا يردعه خلق ولا تمنعه مروءة، بينما الإيمان باللقاء هو الذي يثمر الاستقامة والتقوى والعدل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تشخيص أمراض النفوس في الحوار الدعوي؛ فكثير من الشبهات الفكرية ظاهرها عقلي وباطنها هروب نفسي من الالتزام الأخلاقي بلقاء الله.
التوجيه التربوي:
بناء "عقلية الآخرة" في نفوس الناشئة؛ وتربيتهم على أن الدنيا مرحلة عبور واختبار، وأن المستقر الحقيقي هو الدار الآخرة.