قال ابن جرير الطبري (20/160)مصدر غير محدد٢٠/١٦٠: «يقول تعالى ذكره: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك يا محمد هو تنزيل الكتاب الذي لا شك فيه ولا مرية أنه حق نزل من عند رب العالمين، لا من عند غيره من سائر خلقه».
ونقل ابن كثير (6/348)مصدر غير محدد٦/٣٤٨ عن قتادة ومجاهد: «{لَا رَيْبَ فِيهِ}: لا شك فيه أنه من عند الله رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين».
وقال السعدي (ص 652)مصدر غير محدد٦٥٢: «يخبر تعالى عن كتابه العظيم أنه لا ريب فيه؛ أي لا شك يعتريه بوجه من الوجوه، لا في صدق أخباره، ولا في عدل أحكامه، ولا في كونه منزلاً من رب العالمين الذي ربى جميع الخلق بنعمه، ومن أعظم نعمه إنزال هذا الكتاب الهادي إلى الرشاد».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
التنزيل: مصدر نَزَّلَ، والتعبير بالتنزيل يفيد النزول التدريجي المفرق بحسب الوقائع والأحوال، أو هو اسم مصدر بمعنى المُنَزَّل.
الكتاب: المكتوب المدون، وأصله من الكَتْب وهو الجمع والضم؛ لجمع الحروف والكلمات والحكم والأحكام.
الرَّيْب: أشد الشك وأقلقه، وهو الشك المقرون بالقلق والاضطراب النفسي.
العالمين: جمع عالَم، وهو كل موجود سوى الله تعالى، وسمي عالماً لأنه عَلَمٌ وأمارة على وجود خالقه وصانعه.
{الْكِتَابِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{لَا رَيْبَ فِيهِ}: {لَا}: نافية للجنس تعمل عمل إن، {رَيْبَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، {فِيهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا، وجملة لا ريب فيه في محل نصب حال من الكتاب أو تنزيل، أو هي خبر أول لتنزيل.
{مِن رَّبِّ}: جار ومجرور متعلقان بتنزيل أو بمحذوف خبر لتنزيل (إن جعل تنزيل مبتدأ)، {الْعَالَمِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام السبيكة الإيمانية بعد فواتح الحروف:
اتصلت الآية بما قبلها اتصال التبيين والتقرير؛ فبعد التنبيه بـ {الم} جاء التقرير الجازم بأصل الكتاب ومصدره ومنزلته: {تَنزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ}.
وقدم نفي الريب على ذكر المصدر: {لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ} لتجريد الذهن ابتداءً من كل تردد أو وسوسة شيطانية، ثم إرساء الحقيقة على قاعدة الربوبية التامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التشكيك في مصدرية القرآن الكريم ونسبته إلى التاريخ والمحيط البيئي: تزعم القراءات الحداثية والمادية المعاصرة أن القرآن "نص تاريخي نتاج البيئة الصحراوية والتفاعل الثقافي مع أساطير الجزيرة العربية".
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تسفه الآية هذه المزاعم بتأكيد نفي الريب ونسبته إلى {رَّبِّ الْعَالَمِينَ}؛ فلو كان القرآن نتاج بيئته لاحتوى على معارف تلك البيئة المليئة بالخرافات والشرك وتاريخ الجاهلية وسخافاتها.
لكن القرآن جاء مهيمناً، ناسخاً لأخطاء الأمم، مصححاً لعقائد الفلاسفة وأهل الكتاب، متضمناً لتشريعات حكيمة ونظام حياة يقود البشرية كلها في كل عصر ومصر.
إن النزاهة العلمية تقطع بأن هذا الكتاب المتعالي على قيود الزمان والمكان لا يمكن أن يصدر إلا عن رب العالمين المحيط بكل شيء علماً.
نفي مطلق لكل جنس وصنف من أصناف الشكوك والريب؛ فالقرآن في ذاته نور ساطع لا يقبل الشك، وإنما الشك يعرض للقلوب المريضة العمياء التي لا تبصر الشمس في رابعة النهار.
إضافة الربوبية إلى {الْعَالَمِينَ}:
استحضار صفة الربوبية المقرونة بجميع العوالم؛ لإشعار المخاطب بأن الكتاب موجه للإنسانية جمعاء، وأن حكمه نافذ على كل المخلوقات، وفيه ترغيب بقبوله وترهيب من رده.
التدبر الإشاري:
إذا أردت اليقين وزوال الشكوك والهموم من صدرك، فعليك بملازمة هذا الكتاب؛ فإنه بلسم الشبهات وطارد وساوس الصدور؛ إذ لا يدخله الريب ولا يقترب منه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
ترسيخ حجية القرآن الكريم في الخطاب الدعوي، وبناء اليقين المطلق في قلوب المدعوين بأنه وحي معصوم من عند الله.
التوجيه التربوي:
تربية الأبناء على تعظيم القرآن والاحتكام إليه في كل شؤون الحياة، وعدم الالتفات إلى الشبهات المسمومة التي تبث في وسائل الإعلام.
التوجيه العملي:
قراءة القرآن بيقين وتدبر، وتحكيمه في الخصومات والمواقف، والتحاكم إلى شريعته العادلة.
الوجدان الإيماني:
الثقة المطلقة والسكينة التي تغمر قلب المؤمن حين يقرأ كلمات ربه، وشعوره بالفخر والاعتزاز بنعمة الهداية بالقرآن.