قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلمته المشهورة المؤسسة على هذه الآية: «بِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ».
قال ابن جرير الطبري (20/186)مصدر غير محدد٢٠/١٨٦: «يقول تعالى ذكره: وجعلنا من بني إسرائيل قادة ودعاة إلى الخير وهداة يقتدى بهم في طاعة الله، ويهدون الناس بأمرنا وديننا؛ حين صبروا على أوامر الله وأذاهم في سبيله وعن معاصيه، وكانوا بحججنا وأدلتنا وتنزيلنا يوقنون إيقاناً لا يخالطه شك».
ونقل ابن كثير (6/357)مصدر غير محدد٦/٣٥٧ عن سفيان الثوري وابن عيينة وقتادة: «{لَمَّا صَبَرُوا}: لما تركوا الدنيا وأقبلوا على الآخرة، وصبروا على البلاء وعلى التمسك بالكتاب وأحكامه؛ رفعهم الله وجعلهم أئمة يهدون الناس بأمره، وكانوا بآيات الله موقنين».
القراءات وضبط التلاوة:
قرأ الكوفيون وابن عامر: {لَمَّا صَبَرُوا} بفتح اللام وتخفيف الميم وفتحها (حين صبروا، أو لصبرهم)، وقرأ حمزة والكسائي: {لِمَا صَبَرُوا} بكسر اللام وتخفيف الميم (أي لصبرهم وبسبب صبرهم)، وقرأ رويس عن يعقوب: {لَمَّا صَبَرُوا} بتشديد الميم على الحينية.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
أَئِمَّة: جمع إِمَام، وهو القدوة الذي يُؤتم به ويتبع في أقواله وأفعاله وعلمه.
الصَّبْر: حبس النفس عن الجزع واللسان عن الشكوى والجوارح عن المعصية، وله ثلاثة أركان: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
اليَقِين: كمال العلم واستقراره في القلب رسوخاً لا يتطرق إليه أدنى شك ولا ريب، وهو روح الإيمان وقطبه.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَجَعَلْنَا}: الواو عاطفة، جعل ماض و(نا) فاعل.
{مِنْهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال مقدم من أئمة أو بجعل.
{أَئِمَّةً}: مفعول به أول لجعل منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{يَهْدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب نعت لأئمة.
{بِأَمْرِنَا}: الباء للسببية أو الملابسة، أمر اسم مجرور، و(نا) مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بيهدون.
{لَمَّا}: ظرفية حينية بمعنى حين (أو رابطة)، {صَبَرُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة للمّا. (وعلى قراءة كسر اللام: اللام جارة، وما مصدرية، والمصدر المؤول لصبرهم مجرور متعلق بجعلنا).
{وَكَانُوا}: معطوف على صبروا، الواو فاعل، وكان واسمها.
{بِآيَاتِنَا}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بيوقنون قدم للاختصاص والاهتمام.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء الدستور الإلهي لقيادة الأمم وبناء المصلحين:
لما ذكر إيتاء موسى الكتاب في الآية السابقة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ}، بيّن هنا الثمرة العظمى التي نشأت عن الاستمساك بهذا الكتاب؛ وهي تخريج جيل من "الأئمة الهداة" الذين قادوا الأمة في دروب الهدى.
ثم كشف السياق عن "الشرطين الحاسمين" لنيل هذا الشرف والتمكين في الأرض؛ وهما: الصبر واليقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تصدير القيادات بالأنساب أو الثروة أو القوة المادية المجردة: تفرز الجاهليات قادة يحكمون بالوراثة أو القوة والمال دون أي رصيد من الأخلاق واليقين والهدى، مما يورد الأمم المهالك.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة المنهاجية:
تقرر الآية معيار القيادة الحقيقية التي تبني الحضارة وتنقذ الإنسان:
الصبر: وهو الحصن المنيع أمام "فتن الشهوات والابتلاءات والأذى"؛ فمن غلبته شهوته أو انكسر أمام الابتلاء استحال أن يكون إماماً يُقتدى به.
اليقين: وهو النور الكاشف لـ "فتن الشبهات والضلالات الفكرية"؛ فمن تلاعبت به الشكوك والريب لا يمكن أن يهدي غيره.
فإذا اجتمع الصبر (قوة الإرادة والعزيمة الأخلاقية) مع اليقين (رسوخ العلم ونور البصيرة)، نال العبد الإمامة في الدين بفضل الله وأمره: {يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}.
احتراز بلاغي وتشريعي غاية في الأهمية؛ فالإمامة المعتبرة ليست مجرد قيادة الجماهير بالأهواء والنظريات الوضعية والشعبوية، بل هي الهداية المقيدة بـ "أمر الله وشرعه وتنزيله"، فكل قائد يهدي بغير شريعة الله فهو إمام إلى النار!
تقديم المعمول في {بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}:
إفادة القصر والاهتمام؛ فيقينهم محصور ومستمد من آيات الله وحججه الدامغة لا من الفلسفات والظنون الزائفة.
التدبر الإشاري:
لا تطمع أن تكون داعية مؤثراً أو قائداً مصلحاً وأنت تضجر من أول أذى، أو تتزعزع أمام أول شبهة؛ رَبِّ نفسك أولاً على الصبر في ميادين الطاعات، وعلى اليقين بكتاب ربك، تفتح لك أبواب التوفيق والريادة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
بناء القيادات الدعوية على ركيزتي الصبر واليقين؛ وتأهيل الشباب بالعلم الشرعي المؤصل والتربية الإيمانية الصلبة.
التوجيه التربوي:
تدريب المتربين على الصبر ومجاهدة النفس وترك الترف؛ وتحصينهم من الشبهات الفكرية المعاصرة باليقين بالوحي.
التوجيه العملي:
الثبات على الحق والتمسك بالسنة النبوية؛ والتجرد لله في قيادة الناس وإصلاح المجتمع وفق أمر الله لا أهواء النفوس.
الوجدان الإيماني:
الهمة العالية وتطلع القلب للارتقاء في مدارج الصابرين والموقنين؛ وسؤال الله تعالى: «وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا».