قال ابن جرير الطبري (20/189)مصدر غير محدد٢٠/١٨٩: «يقول تعالى ذكره: أولم ير هؤلاء المكذبون بالبعث بعد الممات بعيونهم فيعتبروا أنّا نسوق الماء؛ يعني الغيث والمطر والسحاب، إلى الأرض الجُرُز؛ وهي الأرض اليابسة الغليظة القاحلة التي لا نبات فيها ولا مرعى، قد جُرز نباتها وأُكل، فنسقيها بالماء فنهتز وتربو، فنخرج به زرعاً أخضر تأكل منه مواشيهم ودوابهم وتأكل منه أنفسهم قوتاً ورزقاً؟! {أَفَلَا يُبْصِرُونَ} ذلك بأعينهم فيعلموا أن الذي أحيا هذه الأرض بعد موتها قادر على إحياء الموتى بعد بلائهم في التراب؟!».
ونقل ابن كثير (6/358)مصدر غير محدد٦/٣٥٨ عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة: «{الْأَرْضِ الْجُرُزِ}: هي الأرض القاحلة المجدبة التي لا نبات فيها كأرض اليمن وغيرها مما يساق إليه السحاب والمطر من بلد إلى بلد، وقيل: هي أرض مصر يساق إليها ماء النيل من بلاد الحبشة، والصواب أنه يعم كل أرض يابسة ميتة يحييها الله بالماء».
تفسير {أَفَلَا يُبْصِرُونَ}:
قال السعدي (ص 655)مصدر غير محدد٦٥٥: «ختم الآية بالبصر لأن آية إحياء الأرض بالماء آية مشهودة مرئية بالعين لا تحتاج إلا إلى فتح البصر والتأمل، بخلاف الآية السابقة في أخبار القرون التي تتلقى بالسماع فختمها بـ {أَفَلَا يَسْمَعُونَ}».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
نَسُوقُ: السَّوْق: الحث على السير والدفع من الخلف، وسوق الماء: تصريف السحب والغيوم والرياح بالقدرة الإلهية إلى جهات مخصوصة.
الجُرُز: بضمتين (جُرُز)، وبضم فسكون (جُرْز): الأرض اليابسة التي انقطع عنها الماء فمات نباتها، مأخوذة من الجَرْز وهو القطع والاستئصال؛ ومنه سيف جُراز أي قاطع.
الزَّرْع: النبات الأخضر النابت في الأرض حباً وشجراً وخضرة.
الإعراب والوجوه النحوية:
{أَوَلَمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، والواو عاطفة، ولم جازمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة البديعة بين آية السمع وآية البصر:
في الآية السابقة ساق دليل التاريخ والأمم السالفة وختمها بقوله: {أَفَلَا يَسْمَعُونَ}؛ لأن التاريخ أخبار تُسمع وتُنقل.
وهنا في هذه الآية ساق دليل المشاهدة الحية لإحياء الأرض الميتة بالماء وخروج الزرع اليانع، وختمها بقوله: {أَفَلَا يُبْصِرُونَ}؛ لأن الزرع وخضرة الأرض آيات بصرية مشهودة بالعين المجردة!
هذا التناسق النظمي المعجز يجمع بين مدارك الإنسان السمعية والبصرية لإلزام العقل بحقيقة البعث والنشور وإحياء الأجساد بعد موتها كما تحيا الأرض الجرز بالماء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استبعاد البعث ونسيان برهان الأرض الميتة: يستبعد منكر البعث أن تعود الأجساد بعد أن تصير تراباً وعظاماً رميماً بالية.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تضع الآية القياس العقلي التمثيلي المشاهد: أنتم ترون الأرض الجرز يابسة سوداء قاحلة كأنها جيفة هامدة لا حياة فيها، فينزل الله عليها قطرات الماء، فما هي إلا أيام حتى تهتز وتربو وتتفجر بالحياة والورود والأشجار والثمار!
فالذي أحيا هذا التراب الجاف وأخرج منه ألوان النبات والرزق والغذاء للإنسان والأنعام، أليس بقادر على إحياء الأجساد الترابية إذا نزل عليها ماء البعث يوم القيامة؟!
استعارة مكنية؛ تشبيه السحب المحملة بأطنان المياه بقطعان الماشية والإبل التي يقودها الراعي ويسوقها برفق وحكمة لتصل إلى أرض جائعة عطشى في موعدها المقدر.
تقديم {أَنْعَامُهُمْ} على {أَنفُسُهُمْ}:
تقديم بياني رائع ومطابق للواقع الزراعي؛ فالأنعام تأكل أولاً من الكلأ والتبن والزرع الأخضر، ثم يقتات الإنسان من الحبوب والثمار، ولأن رعي الأنعام هو سبب تسمينها لينتفع الإنسان بلحومها وألبانها وركوبها.
التدبر الإشاري:
كما يحيي الله الأرض الجرز بماء المطر، فكذلك يحيي الله القلوب الميتة القاسية بماء الوحي والقرآن؛ فإذا أصاب القرآن قلباً قاحلاً أخرجه من ظلمات الشبهات والشهوات إلى رياض الإيمان واليقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
استخدام الطبيعة والظواهر الزراعية والمطر كأدلة عقلية محسوسة في خطاب الدعوة لتقريب حقائق الغيب والبعث للأذهان.
التوجيه التربوي:
تدريب الأبناء على التأمل البصري الواعي في دورة حياة النبات؛ وربط كل حبة تنبت في الأرض بقدرة الخالق الكريم.
التوجيه العملي:
شكر نعمة الطعام والشراب والزراعة؛ والإنفاق من زكاة الزروع والثمار عند حصادها.
الوجدان الإيماني:
انشراح الصدر لرحمة الله السابغة في إحياء الأرض؛ واليقين بقدرته على إحياء الموتى ورد المظالم.