قال ابن جرير الطبري (20/188)مصدر غير محدد٢٠/١٨٨: «يقول تعالى ذكره: أولم يتبين لهؤلاء المشركين من قريش المكذبين بالحق، ويوضح لهم طريق الرشاد، كم أهلكنا من قبلهم من الأمم السالفة المكذبة كعاد وثمود وقوم لوط؛ وهم يمشون في أسفارهم وتجاراتهم إلى الشام واليمن في ديارهم ومساكنهم الخالية المشهودة؟! {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ} أي دلالات وعظات بينة على قدرتنا على إهلاكهم كما أهلكنا أولئك، {أَفَلَا يَسْمَعُونَ} سماع فهم وقبول واتعاظ؟!».
ونقل ابن كثير (6/357)مصدر غير محدد٦/٣٥٧: «أي أولم يتبين لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به يا محمد كم أهلك الله من الأمم الماضية بكفرهم وتكذيبهم بالرسل، وقريش يمرون على ديارهم الخربة كالحجر (ديار ثمود)، وسدوم (ديار قوم لوط) في رحلاتهم فلا يعتبرون؟! {إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} أخبار من مضى فيعتبروا بما حل بهم من نقمة الله؟!».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
يَهْدِ: الهداية هنا بمعنى التبيين والإيضاح والدلالة؛ يقال: هدى له الأمر إذا تبين له وظهر رشده.
القُرُون: جمع قَرْن، وهو الأمة من الناس المقترنة في زمن وجيل واحد.
المَسَاكِن: جمع مَسْكَن، وهو موضع السكنى والإقامة والديار.
الإعراب والوجوه النحوية:
{أَوَلَمْ}: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، والواو عاطفة، ولم جازمة.
{يَهْدِ}: مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل ضمير مستتر تقديره الله، أو الفاعل هو جملة {كَمْ أَهْلَكْنَا} المعلقة ليَهْدِ عن العمل سادة مسد فاعله، أو الفاعل محذوف دل عليه السياق (أي أولم يهد لهم الهدى أو إهلاكنا).
{لَهُمْ}: جار ومجرور متعلقان بيهد.
{كَمْ}: خبرية تكثيرية في محل نصب مفعول به مقدم لأهلكنا (أو استفهامية).
{أَهْلَكْنَا}: فعل ماض مبني على السكون، و(نا) فاعل.
{مِن قَبْلِهِم}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بأهلكنا.
{يَمْشُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من الضمير في {لَهُمْ} (أي يمشون قريش في مساكنهم في أسفارهم)، أو حال من القرون.
{فِي مَسَاكِنِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بيمشون.
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ}: إن والجار والمجرور خبرها المقدم.
{لَآيَاتٍ}: اللام المزحلقة، آيات اسم إن مؤخر منصوب بالكسرة لأنه جمع مؤنث سالم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستدلال بالتاريخ الحي والمشاهدات الجغرافية الواقعية:
بعد أن بين قدرته على الفصل بين العباد يوم القيامة، ساق دليلاً حسياً تاريخياً يراه المشركون بأعينهم؛ وهو مصارع الأمم البائدة التي عاثت في الأرض فساداً واستكبرت وكذبت برسلها فدمرها الله تدميراً.
وقريش كانت تسير في رحلة الصيف والشتاء وتمر على آثار ثمود ومدين وقوم لوط، وتطأ أقدامهم تلك المساكن المهجورة، فجاء الاستفهام ليوبخهم على بلادة الحس والغفلة عن سنن التاريخ.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الأمان القومي والغرور الحضاري والمادي: تغتر الحضارات الكبرى المعاصرة بقوتها التكنولوجية وعمارتها الشاهقة وأسلحتها الفتاكة، وتظن أنها بمنأى عن السقوط والزوال.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة التاريخية:
تقدم الآية درس "فلسفة التاريخ وسنن السقوط الحضاري":
الأمم السابقة (كقوم عاد وثمود والفراعنة) كانت أشد من قريش وأشد من كثير من الأمم قوة وآثاراً في الأرض وعمارة.
فلما كفرت بآيات الله وطغت واستعلت، أخذها الله أخذ عزيز مقتدر (بالصيحة، بالريح العاصف، بالخسف، بالغرق) فصارت مساكنهم أثراً بعد عين ومزارات سياحية مهجورة!
فالقوانين الكونية والسنن الإلهية لا تحابي أحداً؛ وسنة الله في إهلاك الظالمين نافذة لا تتبدل: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}.
التعبير بالصورة الحية {يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ}:
تجسيم مادي بديع؛ يصور هؤلاء الغافلين وهم يطؤون بأقدامهم ديار الموتى المعذبين، وينظرون إلى أعمدتها المنقوضة وقبورها الخاوية، ومع ذلك لا تتحرك قلوبهم بالخشية؛ مما يدل على موت البصائر.
الختام بـ {أَفَلَا يَسْمَعُونَ}:
اختيار السمع هنا بعد ذكر أخبار القرون السابقة؛ لأن أخبار الماضين إنما تتلقى بالسماع والرواية، فنفى عنهم السمع النافع؛ فوجود أسماعهم كعدمها إذا لم تثمر اتعاظاً بالخبر.
التدبر الإشاري:
الآثار والديار المهجورة مواطن موعظة وبكاء وليست أماكن للنزهة والترف؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما مروا بديار ثمود بالحجر: «لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ».
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
استثمار التاريخ الإنساني والسنن الكونية في إيقاظ الغافلين وتأكيد حتمية نصر الله لأوليائه وهلاك أعدائه.
التوجيه التربوي:
غرس النظرة السننية العميقة في قراءة التاريخ؛ وعدم الاغترار بالعلو المؤقت للظالمين والمفسدين.
التوجيه العملي:
الاتعاظ بمصائر الهالكين؛ وتجنب أسباب سخط الله التي أهلكت القرون الغابرة.
الوجدان الإيماني:
الرهبة والوجل من بطش الله الجبار؛ وشهود عدله وانتقامه من الطغاة على مر العصور.