تفسير السلف لمأوى الفاسقين وإعادتهم في النار بالأثر:
قال ابن جرير الطبري (20/181)مصدر غير محدد٢٠/١٨١: «يقول تعالى ذكره: وأما الذين خرجوا عن طاعة ربهم وكفروا به وأشركوا معه غيره، فمأواهم الذي يأوون إليه ويستقرون فيه النار، كلما حدثتهم أنفسهم بالخروج منها لشدة ما يلقون من لهيبها وسعيرها، أو رفعتهم ألسنة النيران إلى أعلاها فطمعوا في الخروج، ضربتهم الزبانية بمقامع من حديد فردوهم إلى أسفلها، وقيل لهم توبيخاً وتقريعاً: ذوقوا عذاب النار الدائم الذي كنتم به في الدنيا تكذبون وتستهزئون».
ونقل ابن كثير (6/355)مصدر غير محدد٦/٣٥٥ عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: «والله إن الأيدي لموثقة، وإن الأرجل لمقيدة، وإن اللهب ليرفعهم فترتفع بهم الزبانية، فيضربونهم بمقامع الحديد فيهوون في قعرها سبعين خريفاً، ويقال لهم: {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ}».
وعن مجاهد وقتادة والحسن: «كلما لهجت ألسنة النيران قذفتهم إلى شفا جهنم، فيظنون أنهم خارجون، فتردهم الملائكة بالمقامع قائلين: ذوقوا عذاب الحريق».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
فَسَقُوا: الفسق هنا هو الكفر والتمرد الأكبر على شريعة الله والخروج عن طاعته بالكلية بدليل خلودهم في النار وإعادتهم فيها أبداً.
أُعِيدُوا: الإعادة: الرد إلى المكان الأول بعد محاولة المغادرة، وتكرار الإعادة يقطع كل حبل للأمل بالخلاص.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَأَمَّا}: الواو عاطفة، أما حرف شرط وتفصيل وتوكيد.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{فَسَقُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فَمَأْوَاهُمُ}: الفاء رابطة لجواب أما، مأوى مبتدأ ثانٍ مرفوع بضمة مقدرة على الألف، وهم ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، وحركت الميم بالضم لالتقاء الساكنين.
{النَّارُ}: خبر المبتدأ الثاني مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة الاسمية {فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} في محل رفع خبر المبتدأ الأول الذين.
{كُلَّمَا}: ظرف زمان يفيد التكرار والاستمرار خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{أَرَادُوا}: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لكما.
{أَن يَخْرُجُوا}: أن مصدرية ناصبة، يخرجوا مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لأرادوا.
{مِنْهَا}: جار ومجرور متعلقان بيخرجوا.
{أُعِيدُوا}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الضم، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل، والجملة لا محل لها جواب شرط كلما.
{فِيهَا}: جار ومجرور متعلقان بأعيدوا.
{وَقِيلَ لَهُمْ}: معطوف على أعيدوا، قيل ماض مبني للمجهول، ولهم متعلقان بقيل.
{ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ}: فعل أمر وفاعل ومفعول به ومضاف إليه في محل رفع نائب فاعل مقول القول.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل نصب نعت لعذاب (أو نعت للنار إن كانت مؤنثة كقوله التي).
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة والمشاكلة البلاغية في لفظ {المَأْوَىٰ}:
في الآية السابقة قال في حق المؤمنين: {فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَىٰ نُزُلًا}.
وهنا في المقابل قال في حق الفاسقين: {فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}.
هذه المشاكلة اللفظية المقابلة تبرز الهوة السحيقة بين المأويين؛ فشتان بين مأوى في جنات النعيم والقصور والأنهار، وبين مأوى في جحيم النار والسلاسل والأغلال والحميم!
التهكم والتقريع في تسمية النار مأوى {فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}:
المأوى في اللغة مأمن ومستراح، والنار محرقة ومهلكة؛ وتسميتها مأوى لهم هو من باب التهكم والسخرية بأحوالهم وتجريدهم من أي ملاذ آمن.
صيغة الاستمرار والتكرار بـ {كُلَّمَا}:
تصوير سينمائي مرعب للعذاب الأبدي؛ تتكرر المحاولات والآمال الكاذبة بالفرار، ثم تتكرر خيبة الأمل القاتلة بالرد بالمقامع إلى قاع الجحيم، فيعيشون عذاباً نفسياً أبدياً لا ينقطع.
التدبر الإشاري:
من تمرد في الدنيا على شريعة الله ولم يجد في طاعته مأوى لأنسه وروحه، كان مأواه الحتمي في الآخرة النار التي تلفح الوجوه؛ فاحرص على أن تجعل مأوى قلبك اليوم طاعة الرحمن.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الصدع بآيات الوعيد والترهيب؛ فإن القلوب القاسية المعاندة لا يلينها إلا قرعها بزواجر النار ومصير الظالمين.
التوجيه التربوي:
غرس الخوف من عذاب النار في نفوس الأبناء والمتربين، وتعليمهم الاستعاذة النبوية اليومية: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ».
التوجيه العملي:
الحذر من كل خطوة تقود إلى الفسق والكفر؛ والتوبة العاجلة من المعاصي والكبائر قبل أن يفاجئ العبد هادم اللذات.
الوجدان الإيماني:
اقشعرار الجلد وارتجاف الفؤاد لهول مشهد جهنم؛ والفرار إلى الله بالإيمان الصادق والعمل الصالح الذي يقيك من النار.