قال ابن جرير الطبري (20/165)مصدر غير محدد٢٠/١٦٥: «يقول تعالى ذكره: هذا الذي فعل هذه الأفعال، فخلق السماوات والأرض، ودبر الأمر من السماء إلى الأرض، هو الله عالم ما غاب عن أبصار خلقه وحواسهم فلم يروه وما شاهدوه وعاينوه، لا يخفى عليه من ذلك شيء، {الْعَزِيزُ} في نقمته وسلطانه وانتقامه ممن كفر به، {الرَّحِيمُ} بأهل طاعته والإيمان به».
ونقل ابن كثير (6/350)مصدر غير محدد٦/٣٥٠: «أي هو المتصرف في كل هذه العوالم، الذي يعلم ما بطن وما ظهر، فلا يغيب عن علمه ذرة في أقطار ملكه، وهو العزيز القاهر لكل شيء، الرحيم بعباده المؤمنين؛ فجمع بين العزة والرحمة، والعلم بالغيب والشهادة».
وقال السعدي (ص 652)مصدر غير محدد٦٥٢: «جمع بين العلم المطلق بالغيب والشهادة، والقدرة التامة بالعزة، والفضل والإحسان بالرحمة، وهذا كمال ما بعده كمال».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
الغَيْب: كل ما غاب عن حواس المخلوقين وإدراكهم مما استأثر الله بعلمه، أو أخفاه عنهم في الزمان والمكان.
الشَّهَادَة: كل ما شاهده العباد وأبصروه بحواسهم وأدركوه في عالم الشهود.
العَزِيز: القوي المنيع الغالب الذي لا يغلب، وله عزة القوة وعزة الغلبة وعزة الامتناع.
الرَّحِيم: دائم الرحمة الواسعة المفيضة للنعم والألطاف على عباده خاصة المؤمنين.
الإعراب والوجوه النحوية:
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{عَالِمُ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
{الْغَيْبِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{وَالشَّهَادَةِ}: معطوف على الغيب مجرور بالكسرة.
{الْعَزِيزُ}: خبر ثانٍ أو نعت لاسم الإشارة مرفوع بالضمة الظاهرة.
{الرَّحِيمُ}: خبر ثالث أو نعت ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ارتباط كمال التدبير بكمال العلم والقدرة والرحمة:
لما ذكر في الآية السابقة التدبير العلوي للأكوان وعروج الأمر: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ}، كان التدبير يستلزم في بديهة العقل: علماً محيطاً بكل شاردة وواردة، وقوة قاهرة لتنفيذ الأوامر، ورحمة تحوط الخلائق بالرعاية.
فجاءت هذه الآية لتسند هذا التدبير العظيم إلى أركانه الربانية الثلاثة: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ} (كمال العلم)، {الْعَزِيزُ} (كمال القدرة)، {الرَّحِيمُ} (كمال الإحسان واللطف).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسلط الآلهة وبطش الجبابرة وخلط الهيبة بالقهر المجرد: تعبد الوثنيات والأساطير آلهة مستبدة قاسية تفتقر إلى الرحمة، بينما تفرز المادية حكاماً طغاة يقهرون الشعوب دون ذرة شفقة.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تبرز الآية النموذج الإلهي الأسمى؛ فالله سبحانه "عزيز" لا يقهره أحد ولا يعجزه ظالم، ولكنه مقرون بـ "الرحيم"؛ فعزته ليست بطشاً ظالماً ولا عسفاً أعمى، بل عزة ممزوجة بالرحمة والعدل.
واقتران العلم بالغيب والشهادة يضمن النزاهة التامة؛ فالقاضي الأرضي قد يحكم بغير عدل لجهله بالبواطن والنيات، أما الله فيعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولذلك حكمه هو العدل والرحمة المطلقة.