أخرج البخاري في صحيحه (رقم 3396)مصدر غير محددحديث رقم ٣٣٩٦ ومسلم في صحيحه (رقم 165)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٥ عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الإسراء والمعراج قال: «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى، رَجُلاً آدَمَ طُوَالاً جَعْداً كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ...»، وتلا قتادة هذه الآية: {فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ}.
وقال ابن جرير الطبري (20/185)مصدر غير محدد٢٠/١٨٥: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ولقد آتينا موسى بن عمران التوراة كما آتيناك القرآن، فلا تكن يا محمد في شك ومرية من لقائك موسى ليلة أسري بك؛ وقيل: فلا تكن في مرية من لقاء موسى الكتاب الذي أوتي كما لقيت أنت الكتاب».
ونقل ابن كثير (6/356)مصدر غير محدد٦/٣٥٦ عن قتادة ومجاهد: «{فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ}: يعني لقاء محمد لموسى ليلة الإسراء، وقيل: من لقاء موسى لربه وتكليمه إياه، وقيل: من لقائك الجزاء والثواب بمثل ما لاقى موسى من الصبر على أذى قومه، والقول الأول هو الأصح المشهود له بالأحاديث الصحيحة في الصحيحين».
تفسير {وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ}:
أي جعلنا ذلك الكتاب (التوراة) هداية ونوراً لبني إسرائيل يهتدون به من الضلالة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
المِرْيَة: بكسر الميم وضمها (مِرية ومُرية): أشد الشك والتردد والجدال في الشيء؛ من المري وهو مسح ضرع الناقة لاستنزال اللبن.
اللِّقَاء: المقابلة والاجتماع بين ذاتين، أو الوصول والأخذ.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، واللام موطئة لقسم مقدر، وقد حرف تحقيق مبني على السكون.
{آتَيْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل.
{مُوسَى}: مفعول به أول منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{الْكِتَابَ}: مفعول به ثانٍ لآتينا منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{فَلَا تَكُن}: الفاء فصيحة، لا ناهية جازمة، تكن مضارع ناقص مجزوم بالسكون، واسمها ضمير مستتر تقديره أنت.
{مِّن لِّقَائِهِ}: جار ومجرور متعلقان بنعت لمِرية، والهاء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{وَجَعَلْنَاهُ}: الواو عاطفة، جعل ماض و(نا) فاعل والهاء مفعول به أول عائد على الكتاب (أو على موسى).
{هُدًى}: مفعول به ثانٍ لجعل منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
{لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ}: اللام حرف جر، بني اسم مجرور بالياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم وهو مضاف، وإسرائيل مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة، والجار والمجرور متعلقان بهدى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم بربط رسالته بركاب النبوة التاريخي:
بعد أن بين عناد مشركي مكة وتكذيبهم بالقرآن والبعث وإعراضهم عن الآيات، التفت السياق إلى تسلية قلب النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته؛ ببيان أن تكذيب قومه ليس بدعاً في التاريخ، فموسى عليه السلام أوتي التوراة قبلك، ولقي من قومه بني إسرائيل التكذيب والأذى فصبر حتى نصره الله.
وربط القرآن بالتوراة يؤكد وحدة المصدر والرسالة والغاية لجميع الأنبياء والمرسلين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التشكيك في معجزة الإسراء والمعراج ولقاء الأنبياء: يثير الملاحدة والمستشرقون شبهات حول لقاء النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء في الإسراء والمعراج واعتبار ذلك ضرباً من الخيال الأسطوري.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تقطع الآية الكريمة والحديث الصحيح المتواتر في الصحيحين كل شك: {فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ}.
فالقدرة الإلهية التي خلقت الأكوان وسخرت الأفلاك قادرة بلا ريب على جمع أرواح الأنبياء وتجسيدها لنبيه صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء والمعراج إكراماً له وإظهاراً لفضله وإمامته لسائر الرسل.
والنهي عن المرية ليس موجهاً لشك واقع من النبي صلى الله عليه وسلم — فحاشاه من الشك — بل هو أسلوب قرآني لتقرير اليقين المطلق وقطع أطماع المشككين من أمته.
المراد به التثبيت وزيادة اليقين وترسيخ الإيمان؛ كقوله تعالى: {فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}، وإشعار بأن القضية قد بلغت ذروة الوضوح والجلاء.
تكرار وصف الكتب السماوية بـ {هُدًى}:
بيان الوظيفة المحورية لرسالات السماء؛ فالكتب الإلهية لم تنزل للمجادلات النظرية العقيمة، بل أنزلت هداية عملية ترشد القلوب وتصلح المجتمعات.
التدبر الإشاري:
كل صاحب دعوة إلى الله سيواجه من الشدائد والتكذيب ما واجهه موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام؛ فالطريق واحد، والعدة واحدة (الصبر واليقين)، والعاقبة للمتقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الاستئناس بسير الأنبياء والمرسلين في رحلة الدعوة؛ فإن قراءة تاريخ الصابرين تثبت القلوب في مواجهة فتن العصر.
التوجيه التربوي:
غرس اليقين بصدق معجزات النبي صلى الله عليه وسلم وأخباره الغيبية في نفوس الأبناء؛ ومقاومة موجات التشكيك العقلاني المفرط.
التوجيه العملي:
التمسك بكتاب الله والاهتداء بهديه في مواجهة شبهات الفتن وأهواء المجتمعات المنحرفة.
الوجدان الإيماني:
الشعور بعظمة شرف الانتماء لركب النبوة المبارك، واطمئنان القلب إلى صدق وعد الله لرسله.