قال ابن جرير الطبري (20/166)مصدر غير محدد٢٠/١٦٦: «يقول تعالى ذكره: ثم عدل خلقه وسواه بشراً تاماً مستوياً لا نقص فيه ولا عيب، ونفخ فيه من روحه التي خلقها فأحياه بها وصار بها كائناً حياً ناطقاً بعد أن كان جماداً، وجعل لكم أيها الناس السمع لتسمعوا به، والأبصار لتبصروا بها، والقلوب لتعقلوا بها، {قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} يقول: قليلاً ما تشكرون الله على هذه النعم العظام بطاعته وإفراده بالعبادة».
ونقل ابن كثير (6/351)مصدر غير محدد٦/٣٥١ الحديث الصحيح في أطوار الجنين عند البخاري (رقم 3208)مصدر غير محددحديث رقم ٣٢٠٨ ومسلم (رقم 2643)مصدر غير محددحديث رقم ٢٦٤٣ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ».
تفسير إضافة الروح إلى الله:
أجمع أئمة أهل السنة على أن إضافة الروح إلى الله في قوله {مِن رُّوحِهِ} هي إضافة تشريف وتكريم وخلق وملكية، كقوله: (بيت الله) و(ناقة الله)، وليست إضافة جزء أو بعض؛ فالله سبحانه منزه عن التجزؤ والحلول والاتحاد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
سَوَّاهُ: التسوية: التعديل وإعطاء كل عضو هيئته ونسبته الملائمة وموازنتها بدقة ليقوم بوظيفته على أكمل وجه.
نَفَخَ: النفخ: إجراء الريح في الشيء المجوف، ونفخ الروح: إفاضة سر الحياة الإنسانية الخاصة التي يتميز بها عن سائر الجمادات والبهائم.
الأَفْئِدَة: جمع فُؤَاد، وهو القلب، وسمي فؤاداً لتوكده وتوقده بالحياة والمشاعر والفهم؛ من فأدت الخبزة إذا أنضجتها في النار.
الإعراب والوجوه النحوية:
{ثُمَّ سَوَّاهُ}: ثم عاطفة للتراخي، سوى فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الالتفات المعجز من الغيبة إلى الخطاب المباشر:
كان الحديث في الآيات السابقة بصيغة الغيبة: {وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ... ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ... ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ}.
ثم التفت السياق فجأة إلى مواجهة السامعين بالخطاب المباشر: {وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ}؛ لتقريعهم وهز وجدانهم؛ إذ أصبحت أدوات المعرفة (السمع والبصر والفؤاد) حاضرة في أبدانهم تناديهم بشكر واهبها، ولكنهم قابلوا هذا الفضل بالجحود وقلة الشكر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المادية الإلحادية في اختزال الوعي البشري في تفاعلات كيميائية عصبية بحتة: يزعم الملاحدة أن الوعي الإنساني، والعقل، والمشاعر، والإرادة الحرة ليست سوى نتاج ميكانيكي بحت لنشاط الخلايا العصبية في الدماغ دون حاجة لافتراض "الروح".
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تفضح الآية عجز التفسير المادي المحض عن حل "معضلة الوعي الصعبة"؛ فالطين والماء والمواد العضوية لا تنتج بذاتها وعياً ولا شعوراً ولا ضميراً أخلاقياً؛ إذ لو كان الأمر كذلك لامتلك الحاسوب أو الروبوت مشاعر وضميراً بمجرد تعقيد داراته الكهربائية!
إن قوله تعالى: {وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} يقرر الحقيقة الوجودية الكبرى: أن الوعي الإنساني قبس علوي ونفخة ربانية أودعت في هذا القالب الطيني، وبها استحق الإنسان التكليف وخلافة الأرض.
وتقديم {السَّمْعَ} على الأبصار يوافق الحقيقة العلمية والطبية: فحاسة السمع هي أول ما يتخلق ويبدأ بالعمل في الجنين في بطن أمه، وهي الحاسة التي لا تنام ولا تغلق، وبها يتلقى العبد رسالات الوحي وأوامر الشريعة.
أُفرد "السمع" لأنه مصدر في الأصل والمصدر يستوي فيه الواحد والجمع، ولأن المسموعات تتوحد في الصوت المسموع؛ بينما جُمعت "الأبصار والأفئدة" لتعدد جهات الرؤية والألوان وتنوع الأفكار والمشاعر والمقاصد في القلوب.
تصوير جحود بني آدم؛ فرغم تدفق هذه الحواس الثلاث الكبرى التي بها قوام الحياة والمعرفة، فإن شكرهم لله قليل جداً ونزر يسير لا يكاد يذكر أمام عظم النعمة.
التدبر الإشاري:
السمع والبصر والفؤاد هي منافذ الروح إلى المعرفة واليقين؛ فمن استعمل سمعه في سماع القرآن والهدى، وبصره في النظر والاعتبار، وفؤاده في تعظيم الله ومحبته، فقد أدى شكرها؛ ومن سخرها في الحرام والشهوات فقد خان أمانة المنعم وسيسأل عنها: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
مخاطبة عقول وقلوب المدعوين عبر الحواس الثلاث؛ تقديم الحجج السمعية المقروءة، والبصرية المشاهدة، والعقلية الوجدانية.
التوجيه التربوي:
حماية حواس الأطفال والشباب من الملوثات السمعية والبصرية المحرمة (الأفلام الإباحية، الموسيقى الماجنة، الغيبة)؛ لأنها تفسد الفؤاد وتطفئ نور البصيرة.
التوجيه العملي:
استعمال الجوارح في طاعة الله: تلاوة القرآن، النظر في المصحف وآيات الكون، والذكر والتفكر بالقلب.
الوجدان الإيماني:
الحياء والخجل من كثرة نعم الله مع قلة الشكر، ولهج اللسان دائماً بالحمد والاعتراف بالتقصير.