قال ابن جرير الطبري (20/168)مصدر غير محدد٢٠/١٦٨: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء المشركين المنكرين للبعث: يقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم في الدنيا ملك الموت الذي وُكّل بقبض أرواح بني آدم ومعه أعوانه من الملائكة، فلا يفوتنه منكم أحد، {ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ} بعد قبض أرواحكم وتفريق أجسادكم في الأرض، فيحييكم بعد مماتكم ويجازيكم بأعمالكم».
ونقل ابن كثير (6/352)مصدر غير محدد٦/٣٥٢: «الظاهر من هذه الآية أن ملك الموت واحد معين من الملائكة موكل بقبض الأرواح، وله أعوان ينزعون الأرواح من سائر الجسد حتى إذا بلغت الحلقوم قبضها ملك الموت، كما جاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور عند الإمام أحمد (4/287)مصدر غير محدد٤/٢٨٧ وأبي داود (رقم 4753)مصدر غير محددحديث رقم ٤٧٥٣ وصححه الحاكم والذهبي والألباني، وفيه: «فَيَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ...».
اسم ملك الموت بالأثر:
اشتهر على ألسنة الناس تسميته بـ "عزرائيل"، ولكن لم يرد هذا الاسم في القرآن الكريم ولا في الأحاديث النبوية الصحيحة المرفوعة، وإنما جاءت تسميته في النصوص الشرعية بـ {مَّلَكُ الْمَوْتِ}؛ وجاء اسم عزرائيل في بعض الآثار الإسرائيلية والموقوفات التي لا يحتج بها كما نص عليه ابن كثير وغيره من المحققين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
يَتَوَفَّاكُم: التوفي: أخذ الشيء تاماً وافياً غير منقوص، وتوفي الروح: قبضها واستيفاء أجلها ورزقها المكتوب حتى لا يبقى لها في الدنيا طرفة عين.
وُكِّلَ بِكُمْ: التوكيل: تفويض الأمر والمسؤولية إلى الحفيظ القائم به؛ أي جُعل موكلاً بحفظ أنفاسكم وقبض أرواحكم في موعدها المحدد دون تأخير ولا تقديم.
الإعراب والوجوه النحوية:
{قُلْ}: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
{يَتَوَفَّاكُم}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم، والميم للجمع.
{مَّلَكُ}: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
{الْمَوْتِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع نعت لملك.
{وُكِّلَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على ملك الموت.
{بِكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بوكل، والجملة صلة الموصول لا محل لها، وجملة يتوفاكم... في محل نصب مقول القول.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد الترتيب والتراخي في البرزخ إلى قيام الساعة.
{إِلَىٰ رَبِّكُمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بترجعون قدم للاختصاص والقصر.
{تُرْجَعُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير متصل في محل رفع نائب فاعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال شبهة الضياع والتشتت بقانون الوفاة المنضبط:
لما قال الكفار في الآية السابقة مستبعدين: {أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ} زاعمين أنهم سيضيعون ويتلاشون في بطن التراب ولن يعرفهم أحد، جاء الرد الإلهي الحاسم: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}.
فالمسألة ليست ضياعاً عشوائياً في التراب؛ بل هناك "حارس وموكل رسمي من الملائكة" يتتبع أنفاسكم، ويقبض أرواحكم بدقة متناهية، ويودعها في سجلاتها، ثم يسوقكم جميعاً إلى ربكم؛ فلا مجال للضلال والضياع في ميزان القدر الإلهي!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين نسبة التوفي إلى الله وإلى ملك الموت وإلى الرسل: يثير المشككون شبهة التناقض بين الآيات؛ فمرة يقول: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا}، ومرة: {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ}، ومرة: {تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا}.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة بالتوفيق المحكم:
لا تعارض بين الآيات بوجه من الوجوه، بل هو تكامل وتوزيع بديع لمراتب الفعل:
نسبة التوفي إلى الله: نسبة حقيقية للموجد الآمر المقدر؛ فهو الذي يقضي بالموت ويأمر به، ولا تخرج روح إلا بإذنه وقضائه.
نسبة التوفي إلى ملك الموت: نسبة إلى المباشر الرئيس المأمور بالقبض؛ فهو القائد الذي يقبض الروح من الحلقوم.
نسبة التوفي إلى الملائكة الرسل: نسبة إلى الأعوان والمساعدين؛ الذين ينزعون الروح من أطراف الجسد ويسلونها حتى تسلم لملك الموت، ثم يصعدون بها إلى السماء في أكفان الجنة أو أكفان النار.
وهكذا يرتفع الإشكال تماماً ويظهر الإحكام التام في البيان القرآني.
استيفاء تام لا يسقط منه حق ولا نفس ولا لحظة؛ فالموت ليس انعداماً بل هو استيفاء للمدة والانتقال من دار إلى دار.
تقديم الجار والمجرور في {إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ}:
إفادة الحصر؛ فرجوعكم محتوم إلى ربكم وخالقكم لا إلى غيره، ليحاسبكم على ما قدمتم.
التدبر الإشاري:
ملك الموت يتربص بك في كل لحظة، وينظر في وجهك في اليوم مرات، ولا يدري العبد متى تنتهي أنفاسه المحدودة المكتوبة؛ فالسعيد من استعد للنزول بقبره قبل أن يفاجئه الموكل بقبض روحه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تذكير الغافلين بهادم اللذات ومفرق الجماعات؛ واستعمال حقيقة الموت القطعية التي لا يختلف فيها مؤمن ولا كافر في ترقيق القلوب.
التوجيه التربوي:
تربية الأبناء على الشجاعة واليقين؛ فالموت بيد الله وحده لا يقدمه جبن ولا يؤخره حذر، وملك الموت لا يقبض نفساً إلا بعد استيفاء رزقها وأجلها.
التوجيه العملي:
المبادرة بالتوبة ورد المظالم والوصية، والإكثار من ذكر الموت والاستعداد ليوم الرجوع إلى الله.
الوجدان الإيماني:
الوجل والرهبة من سكرات الموت ولحظة خروج الروح، والدعاء الدائم بالثبات وحسن الخاتمة.