قال ابن جرير الطبري (20/171)مصدر غير محدد٢٠/١٧١: «يقول تعالى ذكره: ولو شئنا يا محمد لهدينا الناس كلهم إلى الحق والتصديق بك، وآتينا كل نفس رشدها وتوفيقها للإيمان قهراً وقسراً، ولكن سبق القضاء مني وحق القول والوعيد في حكمي وعلمي الأزلي: لأملأن جهنم من أهل معصيتي والكفر بي من الجنة والناس أجمعين؛ فخلق للجنة أهلاً وخلق للنار أهلاً، وكل ميسر لما خلق له».
ونقل ابن كثير (6/353)مصدر غير محدد٦/٣٥٣ الحديث الصحيح عند البخاري (رقم 4850)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٥٠ ومسلم (رقم 2848)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٤٨ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ؟! فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا».
تفسير {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}:
الجنة: جمع جِنِّي، والناس: بنو آدم؛ وهما الثقلان المكلفان المخيرات المأموران بالعبادة والنهي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
حَقَّ القول: ثبت ووجب ولزم قضاءً وعدلاً بمقتضى الحكمة الأزلية؛ من الحق وهو الثبات والوجوب.
الجِنَّة: بكسر الجيم: اسم جمع للجن، سموا بذلك لاستتارهم واختفائهم عن أعين البشر؛ من الاجتنان وهو الستر.
الإعراب والوجوه النحوية:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، {لَوْ}: شرطية غير جازمة تفيد الامتناع للامتناع.
{شِئْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا الفاعلين، و(نا) فاعل، ومفعول المشيئة محذوف تقديره (هداية كل نفس).
{لَآتَيْنَا}: اللام واقعة في جواب لو، آتينا فعل ماض و(نا) فاعل.
{كُلَّ نَفْسٍ}: {كُلَّ}: مفعول به أول منصوب، {نَفْسٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{هُدَاهَا}: مفعول به ثانٍ لآتينا منصوب بفتحة مقدرة على الألف، والهاء مضاف إليه، وجملة لآتينا لا محل لها جواب لو.
{وَلَٰكِنْ}: الواو عاطفة، لكن حرف استدراك مبني على السكون.
{حَقَّ الْقَوْلُ}: حق ماض مبني على الفتح، القول فاعل مرفوع بالضمة.
{مِنِّي}: جار ومجرور متعلقان بحق.
{لَأَمْلَأَنَّ}: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، أملأن مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والجملة مفسرة للقول أو جواب القسم.
{جَهَنَّمَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث.
{مِنَ الْجِنَّةِ}: جار ومجرور متعلقان بأملأن لبيان الممتلئ به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان سر المشيئة والعدل بعد طلب الرجعة:
لما طلب المجرمون في الآية السابقة الرجوع إلى الدنيا ليعملوا صالحاً: {فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا}، بيّن الله تعالى أن القضية ليست عجزاً عن هدايتهم؛ فلو شاء الله لجعل الناس كلهم مهتدين اضطراراً وطبعاً كالملائكة.
ولكن حكمته اقتضت خلق الإنسان والجن بإرادة حرة واختيار وابتلاء، فمن اختار الكفر برغبته وسعى في الفساد حقت عليه كلمة العذاب، ومشيئة الله التكوينية لا تعارض عدله التشريعي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر والقدر واحتجاج الكفار بالمشيئة الإلهية: يزعم الملاحدة والجبرية أن تعذيب الكفار منافٍ للعدل؛ لأن الله لو شاء لهداهم، فلما لم يشأ هدايتهم فلم يعذبهم؟!
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة بمنهج أهل السنة:
تفكك الآية هذه المغالطة بالتفريق الحاسم بين "المشيئة القدرية العامة" و"الإرادة الشرعية والرضى":
الهداية القسرية المجبرة: الله قادر على قهر كل العقول والقلوب على الإيمان، ولكنه لم يشأ ذلك؛ لأن الابتلاء يسقط حينئذٍ، ولا يبقى للجنة والنار معنى، وتتحول البشرية إلى كائنات آلية مسيرة بلا تكليف.
الهداية الاختيارية والعدل: فتح الله لجميع النفوس أبواب الهداية؛ فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، ومنحهم العقل، والسمع، والبصر، والقدرة على الاختيار؛ فمن كفر فإنما كفر بإرادته وسوء اختياره ومكابرته للحق.
وقوله {حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ} هو علم الله الأزلي السابق بما سيختاره هؤلاء الأشقياء من الكفر بملء إرادتهم، فكان جزاؤهم في جهنم عدلاً محضاً لا ظلم فيه؛ فالله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون.
تأكيد حتمي لإنفاذ الوعيد؛ لقطع كل أطماع الكفار والمتمردين في النجاة دون إيمان وعمل صالح، وإشعار بهيبة القضاء الرباني النافذ.
التوكيد التام المستغرق بـ {أَجْمَعِينَ}:
الإحاطة بجميع أصناف المتمردين من الثقلين؛ فلا حصانة لإنسي ولا لجني إذا استكبر عن عبادة ربه.
التدبر الإشاري:
مقام العبودية يقتضي الخوف والرجاء؛ فالمؤمن لا يغتر بصلاحه، بل يسأل الله دائماً الثبات على الهداية: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»؛ لعلمه أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
شرح قضية القضاء والقدر بمنهجية وسطية واضحة؛ تحذر من الجبرية التي تسقط التكليف، ومن القدرية التي تنكر علم الله ومشيئته.
التوجيه التربوي:
غرس استشعار المسؤولية الفردية عن القرارات والأعمال؛ وتعويد المتعلم على تحمل تبعات اختياراته دون إلقاء اللوم على الظروف أو القدر.
التوجيه العملي:
الاستعاذة اليومية من عذاب جهنم، والحرص على الفرار إلى الله بالأعمال الصالحة التي تنجي من النار.
الوجدان الإيماني:
الرهبة البالغة والوجل من عظمة الجبار وقضائه، والامتنان التام لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله.