قال ابن جرير الطبري (20/187)مصدر غير محدد٢٠/١٨٧: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إن ربك يا محمد هو يقضي ويفصل بين بني إسرائيل وسائر المختلفين من الأمم يوم القيامة، فيميز بين المحق والمبطل، ويجازي كلاً بعمله الصالح وقبيح كفره، فيما كانوا في الدنيا يختلفون فيه من أمر الدين والتوحيد والشرائع والبعث».
ونقل ابن كثير (6/357)مصدر غير محدد٦/٣٥٧: «أي يفصل بين الخلائق بحكمه العدل الذي لا يجور، فيثيب المؤمنين ويعذب الكافرين، ويظهر الحق الذي اختلف فيه أهل الباطل كما قال تعالى: {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ}».
وقال السعدي (ص 654)مصدر غير محدد٦٥٤: «الفصل الحقيقي التام بين العباد في مسائل النزاع والعقائد والخصومات مؤجل إلى يوم القيامة؛ حيث يظهر الحق عياناً ويجازى كل فريق بعدل الله وفضله».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البناء اللغوي:
يَفْصِلُ: الفصل: قطع الأمر وتبيين الحق من الباطل، والتفريق بين الشيئين بحكم قاطع يزيل النزاع.
الاختلاف: التباين والتنازع في الرأي أو الاعتقاد؛ ضد الاتفاق.
الإعراب والوجوه النحوية:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَبَّكَ}: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
{هُوَ}: ضمير فصل لا محل له من الإعراب، أو ضمير منفصل مبتدأ.
{يَفْصِلُ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية في محل رفع خبر إن (أو خبر المبتدأ هو والجملة خبر إن).
{بَيْنَهُمْ}: بين ظرف مكان منصوب وهو مضاف وهم مضاف إليه، والظرف متعلق بيفصل.
{يَوْمَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بيفصل، وهو مضاف.
{الْقِيَامَةِ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{فِيمَا}: في حرف جر، وما اسم موصول في محل جر متعلقان بيفصل.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص مبني على الضم، والواو اسمها.
{فِيهِ}: جار ومجرور متعلقان بيختلفون قدم للاهتمام.
{يَخْتَلِفُونَ}: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرجاء حسم الخلاف التاريخي إلى محكمة العدل الإلهية الكبرى:
لما ذكر بني إسرائيل وكتابهم وأئمتهم الصابرين، كان معلوماً أن أجيالهم اللاحقة تفرقت واختلفت وتحزبت كما قال في السور الأخرى: {فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}.
فجاءت هذه الآية لتطمئن قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأمته؛ بأن هذا التفرق والجدال والإنكار الذي يواجهونه ليس لهم أن يحسموه قسراً في الدنيا، بل هناك موعد حتمي ومحكمة إلهية عليا يتولى فيها رب العزة وحده الفصل بين جميع المختلفين بالحق والعدل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كثرة الأديان والمذاهب واستحالة معرفة الحق: يزعم دعاة الشكوكية واللادينية أن كثرة الأديان واختلاف الناس عبر التاريخ دليل على أن الحقيقة مفقودة ولا يوجد دين صحيح على وجه اليقين.
المحاكمة العقلية ودفع الشبهة:
تكشف الآية الزيف المنطقي لهذه الحجة؛ فاختلاف الناس وتفرقهم ليس دليلاً على انعدام الحق، بل هو دليل على "اتباع الأهواء والبغي والتقليد الأعمى".
والحق واحد في ذاته، بينه الله بالكتب والرسل، وقامت عليه البراهين العقلية الساطعة.
وحكمة تأجيل الفصل النهائي إلى يوم القيامة تخدم وظيفة الدنيا كـ "دار ابتلاء واختبار وتمييز"، ولو فُصل الخلاف في الدنيا قهراً وقسراً لزال الابتلاء وسقط التكليف الإنساني؛ فالفصل الأخروي هو مقتضى العدل والحرية المسؤولة.
قصر الحكم القضائي النهائي المطلق على الله وحده؛ فلا سلطان ولا قاضي يوم القيامة إلا الملك الديان.
إضافة الرب إلى كاف الخطاب {إِنَّ رَبَّكَ}:
تثبيت خاص وتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بإشعاره أن ربه وحبيبه هو الذي سيتولى الخصومة وسينصفه من كل من كذبه وعاداه.
التدبر الإشاري:
الراحة النفسية للمؤمن في تفويض الخصومات إلى الله؛ فلا تحزن إذا شوه أهل الباطل سمعتك أو عجزت عن إقناع الخصوم في الدنيا، فلك موعد عند الحاكم العدل تجتمع فيه الخصوم ويقتص فيه للمظلوم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الصبر على خلافات الناس ومناكفاتهم؛ وبيان الحق بالأدلة الرصينة دون تشنج، وإرجاع الحكم النهائي إلى الله.
التوجيه التربوي:
تحذير المتعلمين من داء الفرقة والاختلاف المذموم القائم على البغي والتعصب؛ وحثهم على الاعتصام بالكتاب والسنة.
التوجيه العملي:
تحري الحق بالدليل، وتجنب الخصومات العقيمة والجدل المراء الذي يقسي القلوب ويورث الضغائن.
الوجدان الإيماني:
السكينة والاطمئنان لعلم العبد بأن موازين القسط ستنصب عند ربه، وأن كل خلاف سينكشف غطاؤه ويظهر الحق جلياً لا غبار عليه.