لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا
لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا
تُختم السورة ببيان حكمة الحراسة وتقرير إحاطة الله بكل شيء: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة والعشرين من سورة الجن، أن في مرجع الضمير في {لِّيَعْلَمَ} أقوالاً: أن الفاعل هو الله؛ والمعنى ليعلم علم ظهور ووقوع أن رسله قد أبلغوا رسالاته، بعد أن كان عالماً بذلك قبل وقوعه؛ وقيل: الضمير للرسول ﷺ؛ أي ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا؛ وقيل: للمرسل إليهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى الأول هو الأظهر، وأن الله جعل الحرس على الوحي ليتحقق البلاغ سليماً؛ ثم أخبر أنه محيط بما لدى رسله وملائكته، لا يخفى عليه شيء. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {عَدَدًا} تمييز أو حال، والمعنى: أحصى كل شيء إحصاءً لا يفوته منه شيء. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير خاتمة السورة، أن ختم السورة بهاتين الجملتين تقرير لكمال علم الله؛ فهو يحرس الوحي وهو غني عن الحراسة بعلمه، ولكن ليجري الأمر على سننه في الأسباب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تُختم السورة بهذه الآية التي تجمع ثلاثة معانٍ متصاعدة: تحقق البلاغ، فالإحاطة بما لدى الرسل، فإحصاء كل شيء. فانتقل النظم من الخاص إلى الأعم إلى الأعم منه. وفي ختم السورة بهذا المعنى مناسبة بديعة لموضوعها كله؛ فقد افتُتحت بخبر عن قوم كانوا يحاولون سرقة شيء من علم السماء، وتُختم بتقرير أن الله محيط بكل شيء محصٍ له؛ فلا سبيل إلى أخذ شيء من علمه إلا بإذنه. كما أن قوله {أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ} يقابل قوله في الآية الثالثة والعشرين {إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ}؛ فتكرر تقرير وظيفة الرسل في موضعين من المقطع الأخير، مرة في حق النبي ﷺ ومرة في حق الرسل جميعاً.