وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ۖ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ۖ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا
يعلنون النتيجة ويقررون قاعدة عامة في ثمرة الإيمان: {وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ ۖ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة عشرة من سورة الجن، أن المراد بالهدى القرآن؛ والمعنى: لما سمعنا القرآن صدّقنا به. وروى في تفسير {بَخْسًا وَلَا رَهَقًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: لا يخاف أن يُنقص من حسناته ولا أن يُحمل عليه من سيئات غيره. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن البخس النقص، والرهق الظلم والطغيان؛ فالمؤمن آمن من أن يُنقص من ثوابه أو يُزاد في عقابه. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا من أعظم البشارات؛ إذ جمعت الأمن من جهتي النقص والزيادة، وهما مجموع ما يُخاف في الحساب. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذه الجملة تعميم بعد تخصيص؛ فبعد أن ذكروا إيمانهم قرروا قاعدة تشمل كل مؤمن من الثقلين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي جواب السؤال الذي طرحوه في الآية العاشرة: {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}؛ فقد تبيّن لهم بالسماع أن المراد كان الرشد؛ فأعلنوا الإيمان. ثم إن الآية تنتقل من الإخبار عن أنفسهم إلى تقرير قاعدة كلية؛ وهذا الانتقال من الخاص إلى العام أسلوب دعوي بديع؛ إذ لم يكتفوا بالإخبار عن تجربتهم بل جعلوها قانوناً يشمل كل من فعل مثل فعلهم. ثم تأتي الآية الرابعة عشرة لتقسم الجن على أساس هذا الإيمان: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ}؛ فتحول التنوع المذكور في الآية الحادية عشرة إلى انقسام حاسم بعد نزول الوحي.