وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا
وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا
يتبرأ النفر من مصدر الباطل الذي كان بينهم: {وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة من سورة الجن، أن المعنى: وأنه كان يقول جاهلنا على الله قولاً جائراً عن الحق بعيداً عن الصواب. وروى في تفسير {سَفِيهُنَا} قولين: أنه إبليس، رواه عن مجاهد وقتادة؛ وأنه مردة الجن وجهّالهم، وهو قول من حمل اللفظ على الجنس. وروى في {شَطَطًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أي جوراً وغلواً وكذباً. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المراد ما كانوا يقولونه من نسبة الصاحبة والولد إلى الله؛ فالآية بيان لمصدر ما نفوه في الآية قبلها. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "الشطط" مجاوزة الحد في الظلم والبعد عن القصد؛ من "شط" إذا بعد؛ ومنه "شط النهر" لبعد جانبه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تعليلاً وبياناً لما نفوه في الآية السابقة؛ فبعد أن نزهوا الله عن الصاحبة والولد، ذكروا من أين جاءتهم تلك النسبة الباطلة. ثم إن الآية بعدها {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} تكمل الصورة؛ إذ تبيّن كيف انطلت عليهم مقالة ذلك السفيه. فترتب النظم على ثلاث حلقات محكمة: تنزيه، فبيان مصدر الباطل، فبيان سبب قبوله؛ وهذا تشريح كامل لنشأة الانحراف العقدي: قائل مبطل، ومتلقٍّ حسن الظن، ودعوى منتشرة.