حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا
حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا
تُصوَّر لحظة انكشاف الحقيقة أمام المستكثرين بأنفسهم: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة والعشرين من سورة الجن، أن المعنى: لا يزال هؤلاء المشركون على تكذيبهم حتى إذا عاينوا ما وُعدوا به من العذاب، علموا حينئذ أيّ الفريقين أضعف ناصراً وأقل عدداً: أهم أم المؤمنون؟ وبيّن أن هذا رد عليهم؛ إذ كانوا يستقلّون المؤمنين ويعيّرونهم بقلتهم وضعفهم. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا وعيد لهم؛ فإنهم كانوا يفخرون بكثرتهم وعددهم وأنصارهم، فسيتبين لهم عند المعاينة أنهم هم الأضعف والأقل. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {مَا يُوعَدُونَ} يشمل عذاب الدنيا كما وقع لهم يوم بدر، ويشمل عذاب الآخرة؛ وأن اللفظ محتمل للأمرين.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية جواباً على ما تضمنته الآيات السابقة من تألب القوم على النبي ﷺ واستكثارهم بأنفسهم؛ فقد وُصفوا في الآية التاسعة عشرة بأنهم {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا}، أي متراكمين متكاثرين؛ فجاء هنا ما يبين أن هذا التكاثر لا يُغني عنهم شيئاً. فبين الآيتين تقابل دقيق: كثرة متلبّدة في الدنيا، وقلة مفضوحة في الآخرة. ثم إن هذه الآية تمهد لما بعدها؛ إذ إن ذكر ما يُوعدون يستدعي السؤال عن وقته، فجاءت الآية الخامسة والعشرون: {قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ}؛ فالنظم ينتقل من تقرير وقوع الوعد إلى نفي العلم بوقته.