وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا
ينتقلون إلى وصف أنفسهم وتنوع أصنافهم: {وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية عشرة من سورة الجن، أن المعنى: وأنا منا أهل الصلاح والتقى، ومنا من هو دون ذلك في الصلاح، كنا فرقاً وأهواءً مختلفة ومذاهب شتى. وروى في {طَرَائِقَ قِدَدًا} عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة: أي أهواء مختلفة وأدياناً متفرقة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الجن أصناف كالإنس؛ منهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم السني ومنهم صاحب الهوى. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن "القِدَد" جمع "قِدّة"، وهي القطعة من الشيء تنقطع عنه؛ من "القدّ" وهو الشق طولاً؛ فسُميت الفرق بذلك لانقطاع بعضها عن بعض. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن اعترافهم بتفرقهم مقدمة لما بعده من بيان أن الإسلام هو الذي يجمعهم على طريقة واحدة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل الكلام من الحديث عن السماء وحادثتها إلى الحديث عن أنفسهم وأحوالهم؛ وهذا الانتقال مقصود، إذ إن كل ما مضى كان مقدمة لبيان موقفهم من الدعوة. وقد تدرّج وصفهم لأنفسهم في ثلاث آيات: تنوع في الصلاح (11)، فإقرار بالعجز عن الفرار من الله (12)، فإعلان الإيمان (13)، ثم قسمة حاسمة بين مسلم وقاسط (14). فالنظم يسير من التنوع الفوضوي إلى الانقسام الحاسم على أساس الإسلام؛ وهذا هو أثر الوحي: يحوّل الاختلاف المبعثر إلى فرقتين واضحتين. ثم لاحظ التقابل بين {طَرَائِقَ قِدَدًا} هنا و{الطَّرِيقَةِ} بالإفراد والتعريف في الآية السادسة عشرة؛ فالطرائق المتفرقة حالهم، والطريقة الواحدة هي المطلوبة.