وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا
تُختم مقالتهم بقسمة حاسمة على أساس الوحي: {وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ ۖ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة الجن، أن المعنى: ومنا من أسلم وانقاد لأمر الله، ومنا من جار عن قصد السبيل وحاد عن الحق؛ فمن أسلم فقد قصد طريق الهدى وتوخّاه. وروى في تفسير {الْقَاسِطُونَ} عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أي الجائرون العادلون عن الحق. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على الفرق اللغوي المهم بين "القاسط" و"المقسط"؛ فالقاسط هو الجائر، والمقسط هو العادل؛ وأن هذا مما يقع فيه اللبس عند من لا يتنبه لاختلاف الفعلين. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {تَحَرَّوْا} بمعنى تعمّدوا وقصدوا وتوخّوا الأصلح؛ من "التحري" وهو طلب الأحرى والأولى. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير خاتمة مقالة الجن، إلى أن هذه القسمة هي ثمرة عرض الوحي عليهم؛ إذ ميّز بين الفريقين تمييزاً لا يقبل التداخل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة مقالة الجن وآخر حلقة في سلسلة المعطوفات التي بدأت من الآية الثالثة. وقد جاءت مقابلة دقيقة للآية الحادية عشرة؛ فتلك وصفتهم قبل الوحي: {مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا}، وهذه تصفهم بعده: {مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ}. فالفارق بين الوصفين هو أثر الوحي: كانوا طرائق متفرقة لا ضابط لها، فصاروا فريقين لا ثالث لهما. وهذا من أدق ما يُستفاد في بنية السورة. ثم تأتي الآية الخامسة عشرة لتذكر مآل القاسطين وحدهم؛ لأن مآل المسلمين قد عُلم من قوله {تَحَرَّوْا رَشَدًا}.