إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ۚ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ ۚ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا
بعد النفي الشامل يأتي الاستثناء الذي يحدد الوظيفة: {إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة والعشرين من سورة الجن، أن في الاستثناء وجهين: أن يكون استثناءً من {مُلْتَحَدًا}؛ أي لا أجد من دونه ملجأ إلا أن أبلّغ عنه، فالتبليغ هو ملجئي ونجاتي؛ وأن يكون استثناءً مما تقدم من نفي الملك في الآية الحادية والعشرين؛ أي لا أملك لكم شيئاً إلا البلاغ. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن الاستثناء يرجع إلى بيان الذي يملكه ﷺ ويقدر عليه، وهو تبليغ ما أُرسل به. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن جمع {رِسَالَاتِهِ} لتعدد ما أُرسل به من الأوامر والنواهي والأخبار. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، أن الوعيد في آخر الآية لمن عصى معصية الكفر؛ بدليل الخلود الأبدي؛ فأما عصاة الموحدين فتحت المشيئة كما دلت عليه النصوص الأخرى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تُختم بهذه الآية سلسلة التقريرات الأربعة؛ فبعد أن نفى عن نفسه الملك للنفع والضر ونفى وجود المجير والملجأ، أثبت الشيء الوحيد الذي هو وظيفته: البلاغ. ثم أُتبع ذلك بالوعيد لمن عصى؛ وهذا الترتيب بديع: بلاغ ثم مسؤولية؛ فبعد أن يقع البلاغ تترتب عليه التبعة. ثم جاءت الآية الرابعة والعشرون لتصور لحظة انكشاف الحقيقة: {حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ}؛ فاكتملت الصورة: تبليغ، فعصيان، فوعيد، فمعاينة. ولاحظ أن مضمون هذه الآية يتكرر في خاتمة السورة بصيغة أخرى: {لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ}؛ فالسورة تفتتح مقطعها الأخير وتختمه بتقرير أن وظيفة الرسل البلاغ.