وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا
يأتي التقرير الحاسم الذي هو لبّ السورة كلها: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من سورة الجن، أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بـ{الْمَسَاجِدَ} على أقوال: فقيل هي المساجد المبنية للصلاة، وهو قول الجمهور والمعنى: أن هذه البيوت خالصة لله فلا يُعبد فيها غيره؛ وروى عن سعيد بن جبير قولاً آخر: أن المراد أعضاء السجود التي يسجد عليها العبد، وأنها لله فلا يُسجد بها لغيره؛ وقيل: المراد مواضع السجود من الأرض، وقيل: الصلوات نفسها. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن المعنى: أخلصوا العبادة لله وحده فلا تدعوا معه أحداً؛ وأن هذا نظير قوله: {وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}. ويشهد للقول بأعضاء السجود حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما المخرَّج في "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم": «أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة — وأشار بيده إلى أنفه — واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين». وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن الأقوال متلاقية؛ إذ الجميع راجع إلى إخلاص العبادة لله في موضعها وبآلتها وفي صورتها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية هي بؤرة السورة ومحورها؛ فكل ما تقدمها كان تمهيداً لها، وكل ما بعدها تطبيق عليها. فقد ذُكر في الآية السادسة أن رجالاً من الإنس يعوذون برجال من الجن، وذُكر في الآية الثانية إعلان الجن أنهم لن يشركوا بربهم أحداً، وذُكر إنكار الصاحبة والولد؛ فجاءت هذه الآية لتجمع ذلك كله في حكم قاطع. ثم جاء بعدها مباشرة مشهد قيام النبي ﷺ يدعو ربه (الآية 19)، ثم إعلانه {إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا} (الآية 20)؛ فصار النبي ﷺ نفسه أول مطبق للحكم وأول نموذج له؛ وهذا من أبدع ما ينتظم به السياق: أمر عام، ثم امتثال من أشرف الخلق أمام أعينهم.