قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا
قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا
يأتي التقرير الثاني في نفي القدرة عن نفسه: {قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الحادية والعشرين من سورة الجن، أن المعنى: قل لهم: إني لا أقدر أن أدفع عنكم ضراً ولا أن أسوق إليكم هدى ورشداً؛ إنما ذلك بيد الله وحده. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن النبي ﷺ أُمر أن يتبرأ من دعوى القدرة على النفع والضر؛ فهو عبد مأمور مبلّغ لا مالك ولا متصرف. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن مقابلة "الضر" بـ"الرشد" دون "النفع" فيها لطيفة؛ إذ إن أعظم النفع على الإطلاق هو الرشد والهداية؛ فعبّر عن جنس النفع بأشرف أفراده. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن نفي الملك هنا نفي للقدرة الذاتية المستقلة، لا نفي لكونه ﷺ سبباً في هداية الخلق بإذن الله؛ فبين المقامين فرق ظاهر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية ثانية التقريرات المصدَّرة بـ{قُلْ}؛ فبعد أن أعلن في الآية السابقة أنه يعبد ربه وحده، أعلن هنا أنه لا يملك لهم شيئاً. وبين الإعلانين ترتيب منطقي: من كان عبداً داعياً لربه، فهو غير مالك للنفع والضر؛ فالثاني نتيجة للأول. ثم تأتي الآية الثانية والعشرون لتزيد فتقرر أنه لا يملك لنفسه أيضاً: {لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ}؛ فتدرج النفي من نفي القدرة لهم إلى نفيها لنفسه؛ وهذا غاية في التبرؤ من كل دعوى. ثم تُختم السلسلة بحصر وظيفته في البلاغ (الآية 23). فالنظم يهدم أربع دعاوى بأربع جمل متتابعة.