وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
يكشفون عن العلة النفسية التي جعلتهم يقبلون الباطل: {وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة الجن، أن المعنى: وأنا حسبنا أن الإنس والجن لا يجترئون على الكذب على الله؛ فلذلك صدّقنا سفيهنا فيما قال، ولم نتهمه ولم نعرض قوله على برهان. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أنهم اعتذروا عن تقليدهم لمن قال ذلك القول بأنهم ظنوا أنه صادق فيما أخبر، لاستبعادهم أن يتجرأ أحد على الكذب على الله. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن هذا بيان لسبب اغترارهم؛ وأنهم لما سمعوا القرآن علموا أن الكذب على الله واقع من كثير من الخلق، فتنبهوا لخطئهم. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآيات، إلى أن هذا الاعتراف يدل على أن التقليد المبني على حسن الظن بلا برهان طريق موصل إلى أعظم الضلال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية تعليلاً لما تقدم في الآية السابقة؛ فبعد أن ذكروا أن سفيههم كان يقول على الله شططاً، بيّنوا لماذا لم يردّوا عليه ولم يكذّبوه. فاكتملت بذلك صورة نشأة الضلال عندهم: قائل مبطل، وحاجز نفسي منع من تكذيبه. ثم إن هذه الآية تمهد لما بعدها من الاعترافات المتتابعة؛ إذ ستذكر الآية السادسة صورة أخرى من صور الفساد، والسابعة ظناً آخر خاطئاً؛ فالمقطع كله سلسلة مراجعات: هذا ما كنا نظن، وهذا ما تبين لنا. ولاحظ التقابل بين {ظَنَنَّا} هنا و{ظَنُّوا} في الآية السابعة و{ظَنَنَّا} في الآية الثانية عشرة؛ فتكرر لفظ الظن في السورة ليكشف أن أصل بلائهم كان بناء الاعتقاد على الظن لا على البرهان.