وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا
وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا
ينتقل السياق إلى تقرير سنة عامة في العلاقة بين الاستقامة والرزق: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا}. بيّن الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة الجن، أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بـ{الطَّرِيقَةِ} على قولين: فروى عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة أن المراد طريقة الإسلام والهدى؛ والمعنى: لو استقاموا على الإيمان لوسّعنا عليهم الرزق. وروى عن آخرين أن المراد طريقة الكفر والضلال؛ والمعنى: لو استقاموا على كفرهم لأمددناهم استدراجاً ثم أخذناهم؛ ورجّح الطبري القول الأول لظاهر السياق ولموافقته نظائره في القرآن. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن القول الأول أشهر وأليق، وأن نظيره قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {غَدَقًا} بمعنى كثيراً هنيئاً؛ وأن التعبير بالماء عن سعة الرزق جارٍ على عادة العرب؛ إذ الماء أصل المعاش عندهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق هنا من حكاية كلام الجن إلى الخطاب الإلهي المباشر؛ وقرينة ذلك ضمير العظمة في {لَأَسْقَيْنَاهُم}. وموقع الآية بعد ذكر القاسطين وحطب جهنم في غاية الدقة؛ إذ إن ذكر العقوبة قد يوهم أن باب الرحمة قد أُغلق، فجاء هذا العرض ليقول: لو استقاموا لكان لهم كذا؛ فبقي الباب مفتوحاً. ثم إن هذه الآية موصولة بالتي بعدها وصل الوسيلة بغايتها: {لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ}؛ فلم تُترك النعمة مجردة بل قُرنت بحكمتها لئلا تُفهم على أنها ثمن للطاعة. ثم عقّب بذكر مآل المعرض؛ فاكتملت المقابلة بين الاستقامة والإعراض في آيتين.