وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا
وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا
يُذكر مآل الفريق الثاني بعد أن عُلم مآل الأول: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا}. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة عشرة من سورة الجن، أن المعنى: وأما الجائرون عن قصد السبيل فصاروا وقوداً لجهنم تُسجَّر بهم كما تُسجَّر النار بالحطب. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا نظير قوله تعالى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}؛ وأن فيه دليلاً على أن كفار الجن يعذَّبون في النار كما يعذَّب كفار الإنس. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن في هذه الآية حجة على من زعم أن الجن لا يدخلون النار وإنما يصيرون تراباً؛ إذ النص صريح في أنهم حطبها. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن التعبير بالحطب فيه إشعار بأنهم صاروا مادة للنار وأداة لاشتعالها، وهو غاية في التحقير والإذلال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية قسيماً لما قبلها؛ فقد ذُكر في الآية السابقة {فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا}، فجاءت هذه بـ{وَأَمَّا} لتذكر القسم المقابل؛ فتم التفصيل بعد الإجمال. ولاحظ الفارق في أسلوب ذكر الفريقين: ذُكر المسلمون بما فعلوا ({تَحَرَّوْا رَشَدًا}) ولم يُذكر جزاؤهم صراحة، وذُكر القاسطون بجزائهم ولم يُفصَّل فعلهم؛ وفي هذا لطيفة: أن الرشد في نفسه غاية تُطلب فحسب ذكره، وأن الجور لا يُوصف بشيء يُشرَّف به فاقتُصر على مآله. وبهذه الآية ينتهي القسم الأول من السورة، لينتقل السياق في الآية بعدها إلى تقرير سنة عامة في الاستقامة والإعراض.